الرمز الشعري في (( قصيدة بابل )) لبشرى البستاني .. ريم محمد طيب الحفوظي

 قراءة في التشكل والدلالات

 

 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الملخص

 يتناول هذا البحث (( قصيدة بابل )) للشاعرة بشرى البستاني عبر قراءة تأملية هدفها الكشف عن الرمز الشعري في القصيدة ومدى توظيفها له ، وتأثيره في الفكرة العامة للنص ، وإيضاح العلاقة بين الرمز وإنتاج الدلالة ، فضلاً عن ذلك يهدف البحث إلى إبراز الترابط في القصيدة من خلال الكشف عن مسار توليد المعاني وإماطة اللثام عن الظاهرة التوليدية المتعلقة بتوجه المفردة في سياقين ، وما يجري من انزياحات دلالية لألفاظ داخل البنية السياقية التي تخرجها عن المألوف المعجمي . ولعل هذه القصيدة تتمثل في طاقاتها الشعرية المكتنزة داخل مستويات لغتها على الرغم من كونها تعالج موضوعات مستلة من صلب عالم قاسٍ شديد الواقعية .
 كما ان القصيدة امتلكت مجموعة من التقنيات الفنية التي أسهمت في صياغة صورة ذلك العالم صياغة شعرية متميزة تتناسب بدقتها مع دقة اللحظة العراقية الحرجة المتأزمة التي ولدت فيها .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
ـ 1 ـ

 تعد قضية الرمز الشعري واحدة من الإنجازات المهمة في القصيدة الحديثة عموما ، ولقد بلغت من المكانة الفائقة الحد الذي قال عنه الشاعر : ” إن الرمز والأسطورة والقناع هي اقانيم القصيدة الحديثة ، وبدونهم تجوع وتعرى وتتحول إلى مشروع أو هيكل عظمي لجثة ميتة “( ) ، فالرمز من الوسائل الفنية المهمة في الشعر العربي منذ القدم ، إلا انه في القصيدة الحديثة تجاوز ذلك عبر جملة من التحولات التي أسهمت في اغناء الرمز دلالة وإيحاء بوصفه ” وليد رؤيا شفافة حدسية تضيء النص بلمعات خاطفة خلف الدلالات التي تتموضع في التجربة الشاعرة المنطوية على نفسها وراء تقنيات الرمز والتشفير “( ) .
 وهو ليس وسيلة فنية حسب ، بل هو منهل خصب من مناهل التجربة الشعرية وأداة للتعبير عن حالات نفسية ، اذ هو ظاهرة فنية تستثمر المنجزات الثقافية الإنسانية تتأملها بعمق ؛ لتعيد إنتاجها من جديد بوساطة النشاط الروحي الخلاق ؛ لتركّبَ من الثقافة الإنسانية اشكالاً رمزية ، وتحيل هذه الأشكال إلى رغبة الوعي الإنساني في التعبير عن الحقيقة والواقع باكثر من شكل واحد( ) ؛ وذلك لكون الدلالة الرمزية متشظية الأبعاد متحركة ومتنقلة ومتنوعة لا تقف عند حدود المشابهة ولا تعتمد مبدأ التناظر والتماثل بل هي إشارات منتزعة من الصور المتخيلة في نظام لغوي يدفع بالمتلقي لإعادة خلق ترابط فكري محتدم بغية القبض على أبعاده الدلالية والإيحائية( ) ، وإذا كان الرمز أداة للتعبير عن الدلالة الخفية ، فهذا يعني اتفاقاً في مفهومه يطابق إلى حد ما مفهومه في النقد العربي القديم . فالرمز كما يذهب ابن وهب الكاتب ( ت272هـ ) : ” هو ما أُخفيَ من الكلام ، واصله الصوت الخفي ، وإنما استعمله المتكلم في كلامه فيما يريد طيه عن كافة الناس والإفضاء به إلى بعضهم “( ) ، فثمة مسافة دلالية مسكوت عنها لا يمكن الكشف عنها الا بعد إعمال الذهن بغية الوصول إلى البنية العميقة التي يسجلها النسيج اللغوي في النص ، بوصفه مجموعة من الصور المتناقلة يطغى فيها المجاز على الحقيقة والتلميح على التصريح ، والمعاني الرمزية فيها صور تباين الحقيقة ، ولكنها قد تعكس شيئا من ظلالها ، فالمعاني الرمزية اشباح أشياء محسوسة تستعصي على التعبير الصريح( ). 
 ويعد الرمز نهاية التطور الذي تطمح الصورة دائما للوصول إليه ، كما يرى بعضهم وهو لديهم تمثيل موضوع صوري وتكثيف انفعالات عميقة وارتباطات وجدانية معقدة ، بوصفه موصوعاً قادرا على حملها ومعبرا عنها بطريقة الإيحاء التي تبتعد عن ذكر أي من تلك العناصر والارتباطات( ).
 وعلى هذا فان الكشف عن الرمز الشعري هو سبر لأغوار القصيدة ، والكشف عن عوالمها الباطنة ، فالقصيدة الرمزية منجم ثري ، ومعنى مكتنز يرتبط ثراؤها بالرمز أولا وينتقل إلى القاريء عبر كيانه الكلي بعد مراعاة الموقف والانطباع( ) ؛ لذا سيتجه بحثنا إلى استكناه الأبعاد التشكيلية والدلالية للرموز الشعرية في ( قصيدة بابل ) وإضاءة مرجعيتها المعرفية بهدف تحقيق التواصل بين المرسل والمتلقي ، ولا سيما ان القصيدة تضج بالعديد من الرموز الشعرية في لحمة النص وسداه لتشكيل بنية فضائه الشعري .
 لقد حاولت الشاعرة خلق اتساعات داخل متن اللغة عبر التوليد الدلالي لمعجمها الشعري ، فقد أثرت اللغة من خلال توسيع شبكة علاقات مفرداتها عبر أساليب وصور فنية خاصة . وخلقت سياقات خاصة وبيئات دلالية صنعتها بخيوط خيالها ومنابع ثقافتها التراثية وحساسيتها النفسية المرهفة ، وهذا أعمق ما يصل إليه التوكيد الدلالي وأكثر تعقيدا ، وهو لا يتوفر إلا في يد الموهبة الحقيقية .
 وعلى أية حال فانها إرهاصات ومكابدات الذات الشاعرة ، والشاعرة بالرغم من تناولها مختلف القضايا السياسية كثيما نص ( قصيدة بابل )( ) ، فانها تقدم ثنائيات العلاقة بين الشاعرة والإرث العربي ، الشاعرة وذات الشاعرة ، الشاعرة والإنسان والحياة والمستقبل ، الشاعرة والقاريء ، وبين القاريء والقصيدة .
 كما انها تقدم نصّها ضمن بيئته الثقافية والتاريخية زماناً ومكانا ، فضاءً وارثاً . فالقصيدة تمثل حميمية استذكار الماضي المنتزع من قضية الإنسان بكل عذاباته وتشرذمه وجراحاته.
 فالذات الشاعرة هنا تنطلق من بؤرة حضارية تطلق شرارتها في العنوان : بابل ، والعنوان هو المفتاح التأويلي للنص كما يقول ( امبرتوايكو )( ) بوصفه مفتاحا اساسياً يتسلح به المحلل للولوج إلى أغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها( ) فرمزية بابل تتمركز في البؤرة التي تشكلها حضارة بابل :

توهج واشتعال   انطفاء 
ونهوض مرة اخرى

فالقصيدة هي جرح العراق وحضارة العراق وجسد العراق ، وهو ما تبكي انتهاكه ونزفه الشاعرة الدكتورة بشرى البستاني من خلال فعل التماهي بين الوطن / العراق مع حلم الشاعرة ، اذ تصبح الشاعرة هي العراق بعينه الوطن الجريح المنتهك الحرمة المعذب ومدلولات ذلك اجتماعياً ودينياً في نظر العربي المسلم .
 هكذا تبدأ ( قصيدة بابل ) بحضارة العراق القادمة من اعرق الحضارات ، وهي حضارة وادي الرافدين ( بابل العراق ) اشهر مدن الدنيا القديمة واكبرها مساحة ، فهي اكبر من مدينة اثينا بنحو خمس مرات ، وقد ورد ذكرها في العهد القديم ، كما جاء ذكرها في القرآن الكريم( ) ، وتحدث عن عظمتها وسعتها الكتاب الكلاسيكيون أمثال هيردوتس .
 وسميت البلاد باسمها فعرفت ببلاد ( بابل )* ( Bablyania ) ، وعدت أسوارها وجنائنها المعلقة من عجائب الدنيا السبع المشهورة ، وتؤكد التنقيبات التي أجراها الألمان أن المدينة كما وصفها الكتاب الكلاسيكيون اكبر مدينة في العراق القديم إذ بلغ محيطها زهاء
( ثمانية عشر كيلو متر مربع ومساحتها ( 250 ايكر ) يحيط بها سوران ضخمان يتألف كل منهما من أكثر من جدار وشوارعها واسعة متعامدة تنتهي بالبوابات الرئيسة في المدينة ، وتعد بوابة عشتار وشارع الموكب من أهم الأبنية المكتشفة في بابل . وذكرت النصوص المسمارية ان فيها أكثر من ألف معبد صغير وكبير بلغ عدد المعابد المخصصة لعبادة الآلهة الرئيسة
( 153 ) معبداً .
 إذن فـ( بابل ) ” هنا رمز جوهري وحضاري يمثل البؤرة الدلالية التي تنطلق منها القصيدة ، والمقصود بـ( بابل ) هنا العراق بصورة خاصة والأمة العربية بصورة عامة تلك الحضارات التي تتسم بالتجدد والاستمرار والتصاعد من خلال الفعل المضارع ( تتصاعد ) الدال على الاستمرارية في الفعل .

 
من بابلٍ تتصاعدُ الألواح  
نحو قيامة الموت المجيد  
 من بابلٍ ترقى الحجارةُ  
 نحو تاج الأفق
عبر سواعد النخل العتيد  
 من بابلٍ بدأ الخليلُ ،
وخطّ في سفر الحقائقِ :  
 فاعلن ، متفاعلن
ورمى الرقائق ،  
 والحرائق
 والرقى . .
فليبدأ العزفُ العظيم . .  
 هذا الضلالُ نشيدنا نحو الهدى
 هذا الضلالُ المستحيلُ . .

 فالشاعرة هنا تؤكد على رمزية التواصل والخلود من جهة وعلى حوارية إنسان هذه الأرض مع السماء باستلام الرسالة وتبليغها من خلال تصاعد الألواح التي هي رمز للرسالة من جهة أخرى ولفعل الكتابة ثالثة التي اكتشفها العراقيون ، هذا السلاح الذي يقف حائلاً بوجه الأعداء دون الفناء والانكفاء ، وهنا نجد أنفسنا أمام تداخل نصي من خلال مفردة ( الألواح ) بقوله تعالى :  وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ  (الأعراف:145) ، وكذلك حضور عملية المفارقة الحاصلة في ( قيامة الموت المجيد ) فكيف يكون الموت مجيداً وهو موت ؟ فثمة فارق نوعي بين الموت العادي وبين الموت المجيد هذا الموت الذي يسمو إلى أعلى مقامات الانبعاث الحضاري . . . فتأكيد الشاعرة هنا على هذا الموت ما هو إلا دليل على رمزية هذا الموت ورمزية أبعاده من خلال تكرار لفظة ( بابل ) المرتبطة بعنوان القصيدة بوصف العنوان ” العتبة الأولى لفهم النص أو البهو الذي ندلف منه إلى دهاليز نتجاوز فيها مع النص عوالمه الممكنة ، إذ هو البؤرة المركزية التي لا يمكن الاستغناء عنها في توضيح دلالته واستجلاء معانيه “( ) ، فالشاعرة تهدف إلى بث شعرية المفردة ( بابل ) من خلال استنطاقها لكينونتها عبر علاقات منظومة الدوال والمداليل لتفعيل الأثر الحسي والذهني للرمز . وتكرار لفظة الرمز ( بابل ) لها دلالات فنية وجمالية أضفت على النص دلالات مصاحبة ما كان للنص أن يعبر عنها إلا بهذه الكيفية من التكرار ، أي ان هذا التكرار الدلالي والجمالي عميق الأثر في المتلقي وكأنه يسهم في إبداع النص ويستكمل بعض مكوناته( ) ، فحضور المكان كعنوان في القصيدة مرتبط بحضور المعرفة ، إذ تحضر شخصيات مثل شخصية الخليل بن احمد الفراهيدي واضع علم العروض رمزاً لكل العلوم والمعارف الأخرى ( وخط في سفر الحقائق : فاعلن . . . متفاعلن ) ، إذ ان لهذا التداخل في الإيقاع أثره في التعبير عن قضايا دلالية وجمالية من خلال حضور تفعيلة ( فاعلن ) التي تعني الفاعل في الحضارة الإنسانية المؤثر فيها ، أما حضور تفعيلة ( متفاعلن ) فتعني ان هذا الفاعل غير منغلق بل منتفتح في حوار دائم مع الإنسان والحضارات الأخرى وذلك من خلال الفعل الماضي ( رمى ) الذي يدل على تحقق الفعل في حركته وعدم جموده من خلال تكرار اسم الإشارة ( هذا ) لتعيد تكرار ( من بابل ) مرة أخرى تأكيداً لاصرار الشاعرة على بث اشعاع حضارتها العريقة ، فالشاعرة هنا تحرص على استثمار الرمز الحضاري ومكوناته الدلالية ( بابل ) وتكراره مرات عديدة في القصيدة وهذا ما يجعل النص الشعري يصدر عن حس وطني عراقي ومواجد وأحاسيس جياشة ولوعة شديدة الاصالة بقضية الإنسان من خلال:

من بابلٍ بدأ النشيدُ
إلى المدى
شرقت عيون الأرض
ماء الخلق يكتم
ما تنمّ به الإشارة للغصون
ولبرتقال الرمل ،
وهو يضللُ العشب الحزين

 إذ تظل اللحظة الشعرية لحظة من لحظات العذاب والألم والموت والعشق والشهادة في قاموس الشاعرة الشخصي الذي تتداعى معانيه عبر سلسلة من الصور وانثيالاتها داخل البنى النصية من خلال لفظة ( بابل ) أولى الحضارات العريقة التي شهدتها عصور الخلق الأولى والتي تتعرض الآن للابادة من خلال عدوان شرس :

هذا أوان الرقص ،  
 هات يديك ،
 خبئ دمعتي ،
في عتمة الليل الذي يجثو  
 على كتفيّ معطفهُ ،
 فترديني قلائده ،
 وتدميني أساوره
وابحث عن يديك  
تلمّ عن خصري القناديل الكذوبة ،  
وانطفاء الأشرعة  
وأنا أخبىء صرختي في الريح  
ما بين المكيدة ،  
والغيوم المطفأة . .  

 وكما هو معلوم فان الرقص منذ البدايات الأولى كان عبادة ، وذلك من خلال
( الرقصات السايترية ) المسماة بـ( العنزة ) لدى الإغريق ، وذلك قرباناً للآلهة التي هي قوى غير معروفة ، فهو طقس تقديس ، فقد عبروا بالرقص قديما خوفا وتقربا من هذه الآلهة ، فالسؤال الذي نطرحه هنا ، لماذا تعد تلك الرقصات عبادة ؟ وخصوصاً من وجهة نظرهم ؟
 ان تفاعل الحركة مع الكلمات في تقديم القرابين في اعتقاد الإنسان سابقا تخلق عملية توافق وانسجام ما بين الحركة التي تنقل الإنسان من حالته التي يعيشها إلى حالة الوجد ، وبذلك يستطيع التقرب من ذات الإله عن طريق السمو غوصاً في الوجد ، ومن أولى تلك الحضارات التي شهدت مثل هذه الطقوس هي حضارة الفراعنة ووادي الرافدين وحتى عصر ما قبل الإسلام كان القدماء يطوفون حول الكعبة للحج تقربا إلى الآلهة . وفي صدر الإسلام حصل نوع من الانتقال لدى بعض المسلمين ولاسيما المتصوفة او ما يسمى بـ( الرقص الصوفي ) الذي يحمل متعتين كما قال الدكتور جلال جميل( ) ( متعة الروح ) و( متعة الجسد ) ، فإذا غلبت متعة الجسد على متعة الروح فان هذا الرقص يبتعد عما هو إيماني أو اعتقادي ، أما إذا غلبت متعة ( الروح ) على متعة ( الجسد ) فهذا هو الرقص الإيماني البحت ، كما أشار إليه كورت زاخس عندما قال : ” ان الإنسان يستعمل جسده الخاص لتنظيم الفضاء ولإعطاء إيقاع للزمن لذلك نراه يتبع صوتاً داخلياً يقول له : ( قف وارقص ) إلى ان تنبعث قوة سحرية تنفث فيه الروح والعافية والانتصار كما توحده بباقي أعضاء المجموعة ، وذلك بانتشاله من وحدة المحبين الانا “( ) ، الم يقل جلال الدين الرومي : ” من يعرف الرقص يحيا في ذات الله “( ) ، وهكذا فإذا كان الرقص منذ القدم ظاهرة مقدسة وسحرية فانه قد اخذ أبعادا خاصة حسب كل حضارة ينتمي إليها ، إلا ان غايته الأساسية هي البحث عن المقدس والسير نحو الأفق الذي تلتقي فيه السماء بالأرض للاتحاد ليس مع الراقصين حسب ، بل ومع الوحدة الميتافيزيقية العليا .
 وعلى هذا فان تكرار جملة ( هذا اوان الرقص ) في القصيدة يهدف إلى بث الإيمان الداخلي لدى الذات الشاعرة نحو الخارج ؛ لأنها مؤمنة بان هذا الحال لن يبقى كما هو عليه من الركود ، ولذلك تدعو الأخر إلى مشاركتها الصمود على مواجهة هذا الوحش الذي هو عتمة ( الليل ) ( الحصار ) والعدوان من خلال أسئلة عدة ، ( هل تكسرت المرايا ؟ ) ،
و( هل خبت الشموع ؟ ) ، والشموع هنا رمز الاحتفال بالمراد ، فيأتي بالتقدير ( هذا أوان الإيمان المقدس بالمباديء ) هذا اوان الانسجام معها بالدفاع عنها والقتال من اجلها ، وهنا يثير النص تساؤلات عدة تنطوي على حضور دلالات شعرية في تقديم وظيفتها الدلالية المرتبطة بعملية التأليف الشعري والمعنوي متعدد المستويات ، والتي تنظم عملية التشكيل البنائي للنص على مستويات التقنيات الخاصة والاليات الشعرية وخصائص التركيب( ) ، والتي تؤدي بدورها إلى اتاحة ظهور العديد من الوحدات الشعرية المتكاملة بنائياً ودلاليا مما يجعلها قادرة على احتضان المعنى الشعري الذي ينسجم مع كلية هذه الدلالات ومدلولاتها ، اذ لا تقتصر هذه الممكنات والكيفيات البنائية على كونها شكلاً من اشكال العلائق التي تؤلف كيان القصيدة ودوراتها ومستوياتها البنائية والاسلوبية وحتى الخطية وعلاقاتها بالتحول والانحراف في عالم النص ، لأنها شكل من أشكال التعبير الجمالي والفني عن بنية الكون الشعري والرؤيوي وعبر بنية القصيدة التي تبثها لتجسيد تلك العلاقة الحميمة بين الشاعرة وواقعها وذاكرتها وارضها ووطنها العراق ومحيطها العربي والانساني( ) ، وتستمر القصيدة في استنفار امكاناتها من اجل بلورة وإضاءة وتشكيل الوجود الخارجي والداخلي لعالم الشاعرة ، اذ تتخذ العلاقة التشاكلية بين طرفي الثنائية الشعرية في مجمل نصوصها استغراق الدلالي والبنائي الممتد على سطح القصيدة وعمقها ورموزها وازمنتها وامكنتها وتاريخها ومسيرتها( ) .

 فالقصيدة تتنوع بتنوع تجربة الشاعرة الإنسانية وتحولها إلى عناصر شعرية ضاغطة باتجاه علاقة الشعري بالواقعي من خلال تداخل المحورين السياقي والاستبدالي :

هل كنت قربي في المساء  
 خبأت وجهك في شراعي
 واختبأت بغصن زيتون
 على عينيك يومض بالوداع . . .
هل كنت قربي في المساء . .  
 كان المساءُ مداجياً
 بحراً ،
 وصحراء
 ودغلاً خائفاً ،
 قمراً يبيع كرومه
 وعباءة حمراء

اذ تقوم طريقة بناء القصيدة على أسئلة عدة ، فهي تتمنى عن طريق الرقص الذي هو حركة ابداع ضد الموت وحركة انتشار ضد الركود وتحدٍ للمعتدي الذي يقصد ابادة الطاقة العراقية والعربية في هذا الإيمان ( الرقص ) ان يؤخذ بيدها لتواجه الواقع ؛ لذا تضع اسئلة متكررة تواجه بها هذا العالم المرير ، وكثيراً ما يكون الرقص علامة فرح . والشاعرة من خلال إطلاق أسئلتها تتطلع إلى إيقاظ الأحاسيس واستثارة المشاعر الإنسانية لتدخل إلى خطاب المعنى والمعنى الإنساني الشامل لرسالتها الانسانية والفكرية والأدبية وتتجاذب رؤى المعطى الاجتماعي مع رؤى العاطفة الذاتية لتصطبغ قصيدة الشاعرة بألوان من إيقاع الحب والعشق والنور والامل والالم والعذاب من خلال مفردة انطفاء التي توحي بالسلب ما بين الموت والحياة ، فانطفاء النور يعني عتمة وظلمة فماذا يعني انطفاء الاشرعة ؟ والاشرعة ما يشرع من رايات على السفن وقت الريح( ) . فما علاقة الانطفاء بالاشرعة ؟ ولماذا جاءت الاشرعة هنا مطفأة ؟ اذن ثمة علاقة جدلية بين ما تعانيه الشاعرة من واقعها المرير وبين ما تحسه من الامل لمستقبل الإنسان ؛ لذا فهي تريد ان تقف بوجه هذه العتمة ببسالة وإصرار فهي تحارب انطفاء الاشرعة من اجل التحقق ، كذلك رمز ( الصحراء ) الذي يشير في دلالته المباشرة إلى مكان بعينه هو ارض العرب ، إلا انها في سياق النص قد تحمل دلالة رمزية هي الحرية ، ذلك ان ( الصحراء ) لا تخضع لسلطة احد . واذا ما تصورنا كلمة ( الصحراء ) كما تشير إليه فهو مكان بعينه خالٍ من العوائق والحواجز وجدنا انها تؤكد التحرر بوصفه ” المعنى الأعلى لكل وجود انساني “( ) . ان رمز القمر في تاريخ الشعر العربي والإنساني هو رمز الإلهام وهو بالنسبة لهذا النص ليس القمر الاعتيادي ، وليس أي قمر رمزي استهلكت رمزيته ؛ لأنه قمر خاص يتحرك ضمن الرؤيا الشعرية الخاصة بالذات الشاعرة ( قمراً يبيع كرومه ) ، وهنا تكمن رمزيته المشيرة الى حالة التضحية بكل نفيس ارواحاً وكنوزاً في سوق خاسرة ، فالقمر في الشعر العربي ، رمز للرجل الفارس الكامل الرجولة نبلاً وكرماً وشجاعةً وفروسيةً الا انه في القصيدة يغادر دلالته ليتخذ الرمز مساراً اخر ، كذلك انحرف رمز العباءة ليصير عباءة دم ( عباءة حمراء ) ، فالعباءة سوداء ولكنها هنا غايرت المألوف واتت بلون احمر دليلاً على سفك الدم العراقي ، اما بغداد هنا فتحمل خصوصية لكونها هدفاً لعدوان دائم وبما انها رمز للامة العربية والحضارة الانسانية فان استهدافها يعني ضرب الانسان العربي بوجه خاص وضرب قضية الانسان النبيلة في كل مكان وتصرّ الشاعرة على الدعوة واللهفة والاستحضار انطلاقاً من يقين الخصب والتواصل مع الامل بالنهوض والاستمرار :
 

 وغصنٌ في دمي يدعوك ،
 لا ترحل . . . . .
غبارك في دمي  
  يغري الزنابق بالحريق  
 ويعيدني صوب الينابيع القديمة
 والمرافىء .

 وكأن الشاعرة تستعيد ذكريات بلد يمتلك كنوزاً من الحضارة والعلم والفن كل هذا في غبار العصور المتراكم المتحول الى بذور تشرئب بالحريق ، والحريق هنا علامة نهوض حضاري جديد ، علامة ولادة بدليل الدوار وهو نوع من رقصة فنية في لجة الضياع ( رقصة بالجسد ، رقصة حركية تعبر عن ضياع هذا الجسد فكيف بها وهي تنتقل مما هو مادي الى ما هو روحي ؟ كيف ستنتقل ؟ هي اسئلة تتكرر عند الشاعرة ، ثم تأتي مساحة من الورق بيضاء لتدل على المسكوت عنه وبذلك تقول الكثير من خلال ذلك الصمت البليغ ، وذلك من تقاليد الكتابة الشعرية من خلال :

 يا ايها الليل الذي اختصر الردى
   كن ساعدي ،  
  لاصير ليلكة تراود حاصدا . .
 واصدّ مملكة تفتش عن غزاة
 هرب الحداة ،
 هربت مقاليد المباهج ،
 والمناهج
 واستفز السجنُ سجانيه
 يا قمر الصحارى

فكيف يصير الليل ساعداً ؟ وما رمزية المراودة هنا ؟ وكيف تفتش الممالك عن غزاة ؟ يكتنف ذلك تقنيات ناشطة تثير فاعلية النص كالنداء الذي تكرر ثلاث مرات ( يا + ايها ) التي جاءت هنا لاضفاء الغنائية العالية بحس انساني حميم واشتعال داخلي يشتد ويتواصل

 يا ايها الليل الذي اختصر الردى
 يا قمر الصحاري
 يا ايها البحر الخؤون
 يا ايها البحرُ العذول

 فـ( قمر الصحارى ) رمز للعراق المتألق حضارياً ومعرفياً وسط صحاري الوطن العربي ، والذي هو قمر الماضي المتحّول الى قمر يبيع كرومه في الحاضر ، فالنداء هنا ليس هتافاً انما هو نزف داخلي يتسم بالهدوء انه ضراعة ونجوى وابتهالات :

ماذا اقول . . . 
وانا سرقتك من عيون الورد  
 من حجر يلوب
 ومن جراحات الغيوم
   من شهقة الانهار  
وهي تراود الغابات  
 عن اسرارها
  عما يبوح به شجى المرجان  
 في ادغالها ،( )

اذ يحفل هذا النص المكثف بجمالية متفوقة في انتظام خطها التشكيلي البصري وحركية الصورة الذهنية التي تنهض من أنساق التشكيل والتصوير والتخييل ، فالنص متوالية شعرية تنتقل فيها التشكيلات من صورة إلى أخرى في وعي شعري استثنائي وفي درجة عالية من النضج والالتحام بالأشياء والموجودات والعناصر الحياتية التي تشكل فضاء خطابها الشعري ، فالملفوظات الحية هنا تحمل دينامية شعرية ، وترسخ فاعلية المعنى داخل مكونات النسيج الكلي ، فالشاعرة برغم الالم والعذاب مستمرة على الصمود من خلال التكرار التركيبي لنمط الجمل التي شكلت توازيات ظلت تفيض داخلها استعارات عارمة انسنت كل شيء : الورد ، واليمام ، والغيوم ، والانهار ، والغابات ، وشجى المرجان :

 
من عيون الورد
 

من حجر يلوب
  
من جراحات الغيوم
  حرف جر (من) + اسم مجرور مضاف + مضاف اليه
من شهقة الانهار
  
من وجد مكة
  

ويلاحظ ان الجمل تتوازى في أحرف الجر وفي الاسم المجرور المضاف والمضاف اليه ؛ فضلا عن ان تكرار حرف العطف ( الواو ) في القصيدة أضفى عليها سرعة وحيوية
( وصحراء . . . ودغلاً خائفاً . . . وعباءة حمراء . . . وغصن زيتون . . . واعرفه . . . واصدّ . . . ) . وحضور مفردة ( بغداد ) تلك المدينة العريقة الشامخة بالحضارات ( تطلع من قيامتها ) كناية عن النهوض والانبعاث بدليل لام التعليل المتصلة بالفعل المضارع (لتدخل) من جديد أي ان فعل الصمود والمقاومة مزروع متأصل في وطن الشاعرة الذي تتسم حضارته بالتواصل والتجدد والاستمرار بدليل بزوغ فجر كحيل ، فالفجر دليل على بزوغ الحياة والنور مرة اخرى فكيف به كحيلاً ؟ وما علاقته بالنبعة التي هي رمز للخصب والجمال والحياة ؟ ثم اتصال ذلك كله بالشجر البليل رمز اخر للخصب والرواء . ان في مفردة (حجر) التي اضفت عليها الاستعارة فعل الحياة ( يلوبُ ) تكمن كل معاني القوة والصلابة والصبر ، وربما هو حجر المقاومة الفلسطينية في يد طفل . .
لذا فالقضية الوطنية العراقية تظل من اشد ما يشد الذات الشاعرة بهواجسها واحلامها وهمومها ، وتقع ( أنا ) الشاعرة في لحظة موجعة فاجعة بين زمنين ، زمن الماضي في قوة إشعاعه الحضاري وفي توظيفه لرمز ( بابل ) وبين الحاضر في قسوته وبؤسه المتمثل في بشاعة الحصار والحروب والدمار . ويتشكل في نص الشاعرة حالات من العناق بين الرؤى الصوفية والوجدانية التأملية وبين المتن الحضاري والقيمي والروحي .
إن الشاعرة تعمل على بث شعرية المفردة من خلال استنطاقها لكينونتها عبر علاقات منظومة الدوال والمداليل لتفعيل الأثر الحسي والذهني ، اذ تقيم متوالية ندائية وخطابية تستثمر طاقة المفردة وتشكل نصاً أشبه بموشور خطابي عبر سلسلة صورية مقطعية متصلة في نبرتها الايقاعية ، اذ ظل بحر الكامل في تفعيلته النشطة متفاعلن ( ب ب ـ ب ـ ) هو الذي يوزع لقطات القصيدة على مشاهدها الشعرية بايقاع مفعم بالحيوية.
وبهذا تظل عناية الشاعرة بالمتن الحضاري في صوره المشعة وجمالياته المكثفة سارية عبر نسيج النص ، إنها ترسل معانيها عبر مشهدية بصرية من خلال دوال تستمد مدلولاتها من تناصات ووقائع نبيلة وغنية في مادتها التاريخية والوطنية . ان حضارة العراق برموزها الخالدة الكبيرة في كل معانيها وإشعاعات تلك الرموز تغطي المشهد الشعري وتقع تحت سقف هذا النص في علائقية الرمز ومفهوماته الدلالية التي تجاذب نصها الرئيس( ) ، اذ يقع هذا المحتوى تحت سطوة التشكيل الوجداني الذي تؤسس الشاعرة من خلال فاعليته منظومة صورية تتعشق لتكوّن بنى من المعاني المتشظية داخل النص ، ان شهوة رؤيوية تتعالق بمكونات النص تلك التي تقيم مستويات عوالمها التعبيرية لتصل إلى التوازي الذي تبنى عليه القصيدة وتتحرك الشاعرة من خلاله عبر مشهد شعري بواسطة جهازها اللغوي المرهف والعارم بإيحاءات وايماضات تبث دلالاتها داخل فضاء صوري ، اذ تفصح الإشارات اللفظية عبر مساحة القصيدة عن مديات جمالية تتحرك داخلها الذات الشاعرة عبر مستويات عديدة من العلاقات المتباينة المرجعية وذات الاثر النفسي والجماعي .
 

ـ 2 ـ

إن ( قصيدة بابل ) لوحة فنية اقرب إلى الكولاج منها إلى التصوير الوصفي ، إذ يتحول الخطاب الأدبي عن سياقه الإخباري بتعبير د. عبدالسلام المسدي الى وظيفة تأثيرية وجمالية( ) ، إذ تستطيع الشاعرة دفع التركيب اللغوي ودلالاته ومفرداته ومرجعياته الخارجية والقاموسية نحو توكيد وتعميق الدلالة من خلال انحرافات وانزياحات شتى ، فالنص يشكل بنياته معتمداً على كليته وارتباطاته وتعيناته وعلى خلق إيقاعات ومظاهر وأنساق متوازية ومتشاكلة تحاول استبدال الأنساق البلاغية والدلالية القديمة كـ( التشبيه والاستعارة والكناية ) بأنساق وتقنيات شعرية واسلوبية ودلالية مغايرة تفيد من الأبعاد المكانية والزمانية والذاكرة والصور الاستعارية والكنائية والترميزية المعبرة في إطار التشاكل التركيبي والصوري والصوتي الكلي الذي تجسده التجربة الشعرية ، ليكون كل ذلك وحدة نصية متكاملة ونسيجاً شعرياً يكرس هذه الوحدة وصولاً إلى تكوين رؤية شمولية ومعرفية توظفها الشاعرة في مشاهد تلائم بها بين رؤية القصيدة وتشكيلها ولغتها وبين واقع الحال الراهن وعناصره البنائية التي تستند إليها في السياق النصي الحامل لهذه التقابلات البنائية التي تدخل النص في أفق ترميزي واجتماعي وتأويلي متعدد ومتنوع وثر ، تؤدي فيه مختلف هذه العناصر والمكونات الدلالية دوراً مهماً في نمو النص الشعري واكتمال ادواته السياقية وتنويع تشكيلاته وضمائره التي تحوله الى بنية دلالية عميقة الاثر وذات ابعاد تشكيلية حوارية متعددة تستكمل بها القصيدة شعريتها من خلال انفتاحها على تعدد القراءات والتأويلات .
لقد بنيت ( قصيدة بابل ) على مجموعة كثيفة من الرموز ، وتباينت الانحرافات الشعرية في تشكيلها ما بين الشفافية والغموض وتنوعت الحقول الدلالية التي التقطت منها الشاعرة رموز قصيدتها ، فقد ارتكز العنوان على رمز حضاري معرفي ، بينما تشكل متن النص من تداخلات رمزية من ميادين متباينة اشتبكت فيها الرموز الطبيعية من نبات وماء وامكنة وريح وليل وغصون وشجر وادغال وموج وصحراء وانهار وينابيع ، وتحضر الرموز الصناعية التي كثيراً ما تتجلى بالقلائد والاساور والمعاطف وغير ذلك مما يؤكد انوثة النص ، فضلاً عن الرموز الفنية التي كثيراً ما يتجلى فيها الرقص ( رمزاً كثيف الدلالة تمتد جذوره ليصل بين فضاءين انسانيين متناقضين : الفرح العميق والحزن العظيم ذلك ان اعضاء الجسم الإنساني الطافحة بالأحاسيس تستجيب لنداء المشاعر فتتحرك منتشية باشارات معبرة قداسة او فرحاً او حزناً . ففن الرقص ليس ظاهرة جسدية حسب بل هو تعبير روحي في اسمى معانيه ؛ لأن اعضاء الجسد في حالة الرقص تتحرك استجابة لنداءات روحية وصلت مرحلة الصفاء الكامل حيث الخلاص من مكابدة الحياة المادية وقلقها وشوائبها للاتحاد المنسجم بالمطلق الاثيري الذاهب نحو المطلق الجمالي في تناغم يملأ فضاء الفراغ بالجمال والتوازن والانسجام ، فالرقص من بدايته الطقسية القديمة أمام قوى الطبيعة وعبر تحولاته في الزمن فن يحتاج قدرا من الاستجابة والرهافة والجد لممارسته . ويبدو الرقص في هذا النص قضية حاسمة ( هذا هو اوانها ) ، انه اللحظة الستراتيجية التي تنحاز لمستقبل الانسان ، لاحلامه وقناديله )( ) ، وتواصل الشاعرة حديثها عن استمرار حضور الرقص في شعرها قائلة : انه اللحظة التي ادرأ بها الموت دفاعاً عن الحياة :
     هذا اوان الرقص
    هل خبت الشموع
   وهل تكسرت المرايا
في استفهام يؤكد بلاغة النفي تحقيقاً لاستمرارية الأمل والنهوض ولا بد من الإشارة هنا إلى سيطرة الرموز الطبيعية على المشهد الشعري في القصيدة ، وما في ذلك من قدرة على إضفاء النبض والحيوية على النص .

وانا سرقتك من عيون الورد  
 من حجر يلوب
 ومن جراحات الغيوم
   من شهقة الانهار  
وهي تراود الغابات  
 عن اسرارها
  عما يبوح به شجى المرجان  
 في ادغالها ،

 لقد كشفت الشاعرة من خلال تداخل رموزها عن قدرة شعرية تحقق المزيد من الانزياح والانحراف الدلالي عن النسق العام بلاغياً وتركيبياً ونحوياً وتنسيقها ضمن رؤية النص ومنظوره الذي يتحرك وينمو ويفيض بالرؤى وترابطاتها وتقنياتها المختلفة على التفاعل النصي والدلالي( ) . فهي تكتسب ابعاداً جديدة عبر خلق معطيات التحول الذي تنفتح القصيدة به كلياً إذ تظل العلاقة بين البنية العميقة والانزياح النصي والدلالات المتشابكة والتقنيات والاساليب الشعرية هي المحرك الاساسي للنص الذي تتكامل فيه عناصر التشكيل البنائي في مجمل العلاقات النصية التي توّلد بدورها اسئلة الواقع واسئلة النص وتتعانق وتتمازج في مكوناتها واصواتها وافعالها واحداثها بشكل يعيد تشكيل تناقضات هذا الواقع ومفارقته ومأساويته وطاقاته المكبوتة ، لتوّلد الشاعرة من خلال ذلك تمسكها بالشعر والقصيدة كمنقذ فاعل ومخلص اصيل ولتؤكد هويتها المتحققة في عمق المشهد وتعمل على اضاءته واثرائه وحضوره البهي المتألق في التجلي والرؤيا التي تنطلق منها قصائد الشاعرة .
 ان الرموز في هذا النص قد تشتبك مع بعضها وقد تتداخل مع الاستعارة بانواعها لتمنح النص صورة مكثفة تبدو الذات الشاعرة فيها انثى فاعلة ينضوي الاخر / الرجل / الوطن تحت هيمنة فاعليتها المتسمة بالحنان وجدلية المشاعر وتبادل المواقع بين احتواء الاخر مرة واللجوء اليه اخرى :

 خبأت وجهك في شراعي
 واختبأت بغصن زيتون
 على عينيك يومض بالوداع . . .

كما ان الرموز تتحول تحولات شتى في هذا النص ، فهي ايجابية مرة وسلبية مرة اخرى ، وغامضة الدلالة ثالثة ، وهذا ما جرى لرمز ( القمر ـ والريح ـ والبحر ـ
والشراع ) .
وكثيراً ما تحول المفارقة بين الرمز ودلالته الاصلية لتحوله الى دلالة مضادة ، فالعشب حزين . . . والأشرعة مطفأة . . . والغيوم مجروحة . . . والدغل خائف . . . والقمر يبيع كرومه . . . والأنوار ذابلة . . . وطيور البحر صدئة ، لكن سمفونية بابل لا تنتهي عند حالات السلب هذه ؛ لأن الارجوان سيشتعل في عيون البرق وفي هذا الاشتعال الحضاري الجديد ستشتعل كل الرموز متحولة إلى دلالة الإيجاب وحركية التاريخ في استفهام استنكاري :

 من أين ياتيك الافولُ
 وأنت اغريت الزمان
 وسجنته في مقلتي . .
 فاشعل الزبر القديمة
 والمعابر ،
 والقوافل ،
 والفصول
من الف عام ترقص الاضواء 
والالوان والاقداح ، 
من توق الخيول الى الرحيل ، 

إذ يعود الرقص للحضور رمزاً حضارياً متوهجاً هذه المرة بدلالة الازدهار ، إذ تقدم لنا الشاعرة جهداً مضاعفاً في تأصيل البناء النصي الذي عملت فيه على تنمية فضاء الشعرية . فما المقصود ببرتقال الرمل وهو يضلل العشب الحزين ؟ وكيف يتسكع التاريخ في دم السبايا ؟ وكيف يتجلى المساء المداجي بحراً ، وصحراء ، ودغلاً خائفاً ، وقمراً يبيع كرومه ،وعباءة حمراء ، وكيف يقتلع البحر العواصف من عمامة تنزف طويلا ← وهي رمز ديني ← ثم تنام تحت أعمدة المعابر وابتهالات الجسور ؟ وكيف تنام مكة على النياق وتشرب الصحراء ان عطشت وتقتات الدخان ؟ كل هذه الاشتباكات الرمزية تفعّل عملية التشكيل الشعري لتعمل في النهاية على تفعيل القراءة واتساع دائرة التأويل ، الذي يدور حول عظمة بابل رمزاً وطنياً حضارياً وتاريخاً انسانياً عريقاً محاطاً بالموت لكنه يرفض ان يموت بما يمتلك من عوامل الخصب التي تموج بها القصيدة ، وسحراً شعرياً يستمد فاعليته من كون بابل مركزاً سحرياً لهاروت وماروت اللذين يعلمان الناس السحر ، والسحر هنا يستمد فاعليته من شعرية الشعر وطاقة الفن وقدرتهما على التأثير ، فهو سحر ترقى به الحجارة عبر سواعد النخل نحو تاج الأفق إذ ينهض المطلع بتشكيل سمفوني يقوم فيه التكرار برسم مشهد المكان
( بابل ) فضاء منفتحاً يعمل فيه التوازي على تكريس الإيقاع الحضاري :

من بابل  
تتصاعد الالواح : دين ومنظومات قيم سماوية
من بابل  ترقى الحجارة : اعمار ومدنيّة
من بابل  بدأ الخليل : معرفة وعلوم
من بابل  بدأ النشيد : فنون واشعاع حضاري وعطاء وبث على العالم

 وكما في الدورة الحضارية المتجددة يؤول هذا التوهج الى ذبول وخمود ولذلك يذبل التوهج في متن القصيدة فتشتغل الرموز في السلب لتعود الى التوهج مرة اخرى في الختام اذ يعود الرمز ليتبلور أكثر( ) :

 بغداد تنهض من قيامتها
 لتدخل من جديد
 عمراً يراهن شرفة التاريخ
 تدخل في أناشيد الفصول
 فجراً كحيلاً ،
 نبعة
 شجراً بليل . . .
 
 
 
الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  ـ مقابلة مع الشاعر عبدالوهاب البياتي ، يمنى يخلف ، مجلة الجامعة العدد ( 4 ) لسنة 1977 : 21 .
  ـ دراسة في لغة الشعر ، د.رجاء عيد : 11 ـ 12 .
  ـ ينظر : الرمز الشعري عند الصوفية ، د.عاطف جودة نصر : 18 .
  ـ ينظر : الصورة الشعرية واستيحاء الالوان ، د.يوسف حسن نوفل : 35 .
  ـ البرهان في وجوه البيان ، د.احمد مطلوب ، د.خديجة الحديثي : 137 .
  ـ ينظر : الرمزية في الادب والفن ، اسماعيل ارسلان : 106 .
  ـ ينظر : الصورة في شعر لطفي جعفر امان ، د.اسعد عبدالكريم قحطان : 45 .
  ـ ينظر : بناء القصيدة الفني في النقد العربي القديم والمعاصر ، د.مرشد الزبيدي : 56 .
   ـ مكابدات الشجر ، بشرى البستاني : 40 .
  ـ شعرية كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق ، محمد الهادي المطوي ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، العدد ( 1 ) لسنة 1999 : 458 .
  ـ العنوان وسيموطيقيا الاتصال الادبي ، د.محمد فكري الجزار : 80 .
  ـ سورة البقرة : 102 .
* ـ تقع بابل جنوب غربي بغداد الى ضفاف نهر الفرات واسمها القديم ( باب ابلي ـ Babili ) بمعنى باب الاله وبالسومرية ( Ka-Dingir-ra ) الذي يحمل المعنى نفسه وان كان هناك من يرى ان الاسم يرجع باصوله الى لغة السكان الاوائل سكان الفرات الاقدمين .
  ـ لسانيات النص ، محمد خطابي : 57 .
  ـ قراءة في القراءة ، رشيد بن حدو ، مجلة الفكر المعاصر ، العدد ( 48 ـ 49 ) لسنة 1988 : 15 .
  ـ في مقابلة مع د.جلال جميل ، كلية الفنون الجميلة ، جامعة الموصل ، 15 ـ نيسان ـ 2006 .
  ـ الجسد في المسرح ، مجلة الفنون الشعبية ، القاهرة ، يوليو ، العدد ( 44 ) لسنة 1994 : 42 .
  ـ ادونيس والخطاب الصوفي ( البناء النصي ) ، بلقاسم خالد ، مجلة فصول ، مجلد ( 19 ) العدد ( 2 ) ، خريف سنة 1997 : 65 .
  ـ جماليات المعنى الشعري ـ التشكيل والتأويل ، د.عبدالقادر الرباعي : 15 .
  ـ الخطاب الشعري من التشكيل اللغوي الى التشكيل البصري ، رضا بن حميد ، مجلة الحياة الثقافية
( تونس ) العدد ( 69 ـ 70 ) لسنة 1995 : 10 .
  ـ السكون المتحرك ، د.علوي الهاشمي : ج 3 / 329 ـ 350 .
  ـ لسان العرب ، لابن منظور : ج1 / 200 .
  ـ مشكلة المكان الفني ، يوري لوتمان ، ترجمة سيزا قاسم : 81 .
  ـ مكابدات البحر ، بشرى البستاني : 40 .
  ـ الصورة الشعرية والرمز اللوني ، د.يوسف حسن نوفل : 87 .
  ـ قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن زيدون ، د.عبدالسلام المسدي : 95 .
  ـ في مقابلة مع الشاعرة الدكتورة بشرى البستاني ، كلية الآداب قسم اللغة العربية ، جامعة الموصل ، 17 ـ ايار ـ 2006 .
  ـ شعرية الجنوسة ـ مقاربة لنص ( قصيدة العراق ) للشاعرة العراقية بشرى البستاني ، أ.م.د.وفاء عبداللطيف زين العابدين ، كلية الآداب ، جامعة الموصل .
  ـ في مقابلة مع الشاعرة الدكتورة بشرى البستاني ، كلية الاداب ، قسم اللغة العربية ، جامعة الموصل ، 17 ـ ايار ـ 2006 .

 المصادر والمراجع

أ ـ الكتب
1ـ  البرهان في وجوه البيان ، ابو الحسين اسحاق بن ابراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب ، تحقيق : د.احمد مطلوب ، د.خديجة الحديثي ، مطبعة العاني ، بغداد ، ط1 ، 1967 .
2ـ  بناء القصيدة الفني في النقد العربي القديم والمعاصر ، د.مرشد الزبيدي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط 1 ، 1994 .
3ـ  جماليات المعنى الشعري ـ التشكيل والتأويل ، د.عبدالقادر الرباعي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط 1 ، 1999 .
4ـ  حضارة بلاد وادي الرافدين في ( العراق في التاريخ ) ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ، 1983 .
5ـ  دراسة في لغة الشعر ، قراءة في الشعر العربي الحديث ، د.رجاء عيد ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، ط1 ، 1985 .
6ـ  الرمز الشعري عند الصوفية ، عاطف جودة نصر ، دار الاندلس ، بيروت ، ط1 ، 1978 .
7ـ  الرمزية في الادب والفن ، اسماعيل ارسلان ، مكتبة القاهرة الحديثة ، دار المحامي للطباعة ، ( د . ط ) ، ( د . ت ) 
8ـ  السكون والمتحرك ، ( دراسة في البنية والاسلوب ) ، تجربة الشعر المعاصر في البحرين نموذجاً ، د.علوي الهاشمي ، منشورات اتحاد كتاب وادباء الامارات ، دبي ، ط1 ، 1992 .
9ـ  الصورة الشعرية والرمز اللوني ، د.يوسف حسن نوفل ، كلية البنات ، جامعة عين شمس ، دبي ، ط1 ، 2000 .
10ـ  الصورة الشعرية واستيحاء الالوان ، د.يوسف حسن نوفل ، دار المعارف ، القاهرة ، ط1 ، 2002 .
11ـ  الصورة في شعر لطفي جعفر امان ، د.اسعد عبدالكريم قحطان ، دار الثقافة العربية ، الشارقة ، ط1 ، 2002 .
12ـ  العراق في التاريخ القديم ، ( موجز التاريخ الحضاري ) ، د.عامر سليمان ، دار الكتب للطباعة والنشر ، الموصل ، ط 1 ، 1993 .
13ـ  العنوان وسيموطيقيا الاتصال الادبي ، د.محمد فكري الجزار ، الهيئة المصرية للكتاب ، القاهرة ، ط1 ، 1988 .
14ـ  قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن زيدون ، د.عبدالسلام المسدي ، الشركة التونسية للتوزيع ، تونس ، ط1 ، 1984 .
15ـ  لسان العرب ( لابن منظور ) ، ابو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الانصاري ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والانباء والنشر ، ( د . ت )
16ـ  لسانيات النص ، مدخل إلى انسجام الخطاب ، محمد خطابي ، منشورات المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، بيروت ، ط 1 ، 1991 .
17ـ  مقدمة في ادب العراق القديم ، طه باقر ، دارالحرية للطباعة والنشر ، ط 1 ، 1976 .
18ـ  مكابدات الشجر ، د.بشرى البستاني ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2002 .
19ـ  من تراثنا اللغوي القديم ، طه باقر ، دار الحرية للطباعة والنشر ، وبغداد ، 1980 .
ب ـ الدوريات
1ـ  ادونيس والخطاب الصوفي البناء النصي ، بلقاسم خالد ، مجلة فصول ، مجلد ( 16 ) ، العدد ( 2 ) ، خريف سنة 1997 .
2ـ  الجسد في المسرح ، مجلة الفنون الشعبية ، القاهرة ، العدد ( 44 ) لسنة 1994 .
3ـ  الخطاب الشعري من التشكيل اللغوي الى التشكيل البصري ، رضا حميد ، مجلة الحياة الثقافية ، تونس ، العدد ( 68 ـ 70 ) ، 1995 .
4ـ  شعرية الجنوسة ـ مقاربة لنص ( قصيدة العراق ) ، للشاعرة العراقية بشرى البستاني ، د.وفاء عبداللطيف زين العابدين ، كلية الاداب ، جامعة الموصل .
5ـ  شعرية كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق ، محمد الهادي المطوي ، مجلة عالم الفكر ، الكويت ، العدد ( 1 ) ، 1999 .
6ـ  قراءة في القراءة،رشيد بن حدو،مجلة الفكر المعاصر،العدد ( 48 ـ 49 ) ، 1988.
7ـ  مشكلة المكان الفني ، يوري لوتمان ، ترجمة : سيزا قاسم ، مجلة الف ، البلاغة المقارنة ، القاهرة ، الجامعة الامريكية ، العدد ( 16 ) ، ربيع سنة 1986 .
8ـ  مقابلة مع الشاعر عبدالوهاب البياتي ، مجلة الجامعة ، العدد ( 4 ) ، 1977 .

جـ ـ المقابلات الشخصية :
9ـ  مقابلة مع الشاعرة د.بشرى البستاني ، كلية الاداب ، قسم اللغة العربية ، جامعة الموصل ، 17 ـ ايار ، 2006 .
10ـ  مقابلة مع د.جلال جميل،كلية الفنون الجميلة،جامعة الموصل،15 ـ نيسان ، 2006 .

 

قصيدة بابل

من بابلٍ تتصاعدُ الالواحُ  
نحو قيامة الموت المجيد  
 من بابلٍ ترقى الحجارةُ  
 نحو تاج الافقِ
عبر سواعد النخل العتيد  
 من بابلٍ بدأ الخليلُ ،
وخطّ في سفر الحقائقِ :  
 فاعلن ، متفاعلن
ورمى الرقائق ،  
 والحرائق
 والرقى . .
فليبدأ العزفُ العظيم . .  
 هذا الضلالُ نشيدنا نحو الهدى
 هذا الضلالُ المستحيلُ . .
* * * * 
 
   من بابلٍ بدأ النشيدُ  
 الى المدى
شرقت عيون الارض  
 ماء الخلق يكتم
 ما تنمّ به الاشارةُ للغصون
ولبرتقال الرمل ،  
 وهو يضللُ العشب الحزين
    هذا اوان الرقص  
 هل خبت الشموعُ ،
 وهل تكسرت المرايا . . .
 زمرٌ . . . سبايا
يتسكع التاريخ في دمها  
 فتعلن سرها
 زمراً ،
 صبايا . . .
هذا اوان الرقص ،  
 هات يديك ،
 خبىء دمعتي ،
في عتمة الليل الذي يجثو  
 على كتفيّ معطفهُ ،
 فترديني قلائده ،
 وتدميني اساوره
 وابحث عن يديك
تلمّ عن خصري القناديل الكذوبة ،  
 وانطفاء الاشرعة
وانا اخبىء صرختي في الريح  
 ما بين المكيدة ،
 والغيوم المطفأة . .
هل كنت قربي في المساء  
 خبأت وجهك في شراعي
 واختبأت بغصن زيتون
 على عينيك يومض بالوداع . . .
هل كنت قربي في المساء . .  
 كان المساءُ مداجياً
 بحراً ،
 وصحراء
 ودغلاً خائفاً ،
 قمراً يبيع كرومه
 وعباءة حمراء
كان الليل يرقد في عيون الريح ،  
 يصعد في سفين الموج ،
 يهبط للجذور
  بغداد ترقد في النذور  
 والبحرُ يقتلع العواصف
  من خراب عمامة نزفت طويلاً  
 ثم نامت تحت اعمدة المعابر
 وابتهالات الجسور
 كفاي عصفوران مذبوحان  
 والانهارُ ذابلةٌ
  ودجلة تشعل النيران  
 في الليل الذي اغتالوهُ ،
 تجمع ما تساقط من تقاويم النجوم
كسفاً . . .  
 وغصنٌ في دمي يدعوك ،
 لا ترحل . . . . .
غبارك في دمي  
  يغري الزنابق بالحريق  
 ويعيدني صوب الينابيع القديمة
 والمرافىء .
 صوب اسئلة اللغات المرهقة
 هذا الدوار . . .
 وجعٌ يراودني ،
 واعرفه
 يراودني ،
 واهربُ
 ثم يشتعلُ المدار
  صدئت طيور البحر ،
  واختنق المدى
 يا ايها الليل الذي اختصر الردى
كن ساعدي ،  
 لاصير ليلكة تراود حاصدا . .
 واصدّ مملكة تفتش عن غزاة
 هرب الحداة ،
 هربت مقاليد المباهج ،
 والمناهج
 واستفز السجنُ سجانيه
 يا قمر الصحارى
هربت معابير المناهج ،  
   في الصواريخ التي خجلت من العشب البريء  
 ومن جراحات الندى
من غرب بحرك للمنافي  
   تطلع الاصداف جائعة  
 وفارغة العيون . . . .
 يا ايها البحرُ الخؤون
 خذني باطراف السنابل
 كي افضّ السرّ
 في الوهم الكبير
 ولكي اصير مظلة ،
 وشجيرة ،
 ولكي اطرز ما تبوح به الجفون
 الى الوسائد ،
 ايها البحر العذول
ها انت تبعث من اساطير الحرائق ،  
 من عروق خرافة عزلاء ،
 تقتحمُ النخيل
ماذا اقول . . .  
وانا سرقتك من عيون الورد  
 من حجر يلوب
 ومن جراحات الغيوم
   من شهقة الانهار  
وهي تراود الغابات  
 عن اسرارها
  عما يبوح به شجى المرجان  
 في ادغالها ،
من وجد مكة ،  
 اذ تنام على النياق ،
 وتشرب الصحراء إن عطشت
وتقتات الدخان . . .  
 والحور لا يأتين ،
 والانهارُ لا تجري
    ولا ولدان حول الشرب ،  
 لا كافور ،
   لا سرر
ورمل الروح منكفىء يلوب ،  
 ولا مضارب ،
 لا مواسم . . .
 وأنا سرقتك من دم الغزلان
 يقتلها الظمى
 ورد  . . .  همى
 ثمرٌ يشاكس دورة الأبراج
 جرح الطين مسفوح ،
 على صدر البوادي
ماذا أقول . . .  
 وطلقة ولهى
 ومفردة عصية
 ترتد نحوي  
 كلما دهم الغزاة الليل
 أو في البرق ،
   هاج الأرجوان
 من أين ياتيك الافولُ
 وأنت اغريت الزمان
 وسجنته في مقلتي . .
 فاشعل الزبر القديمة
 والمعابر ،
 والقوافل ،
 والفصول
 يا ايها الشجر النبيل
 خذ شرفتي
 وانشر على دمها الغمام
 وعلم الخيل الجموحة  
 ان تؤوب إلى اعنتها
 وتشرب دمعها
من الف عام  
 ترقص الاضواء ،
 والالوان ،
 والاقداح ،
      من توق الخيول الى الرحيل  
 بغداد تطلع في قيامتها
 لتدخل من جديد
عمرا يراهن شرفة التاريخ  
    ترحل في اناشيد الفصول  
 فجراً كحيلاً ،
 نبعة . . . . . .
 شجرا بليل

 

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: