أكاديمية تتعامل شعريا.. د. سَعْد جَرجِيس سَعِيد

أنتِ هُناكَ… وأَنَا  هُنا، وبيني وبينكِ مساحةٌ خضراءُ يحتلُّها الجرادُ…

 أرجوكِ لا تَذْهَبِي بِهَذا الحنانِ فهُو الذي يَشُدُّنِي إلى كلِّ شبرٍ من هذا الوطنِ… أحبكِ… فيخْتَلِطُ الزمانُ البعيدُ بالجديدِ… تقتربُ كفايَ من النهر…

كفُّكِ هي التي أخذتْنِي إلى أرضِ المطرِ فلا تَذْهَبِي بعيداً، فأنَا أخافُ من صحراءِ الحياةِ المُقْفِرَةِ…

 امرأةٌ تحلُمُ وَحْدَهَا، والعالمُ مجنونٌ يتخبطُ في التِّيْهِ… امرأةٌ تحلُمُ بوطنٍ مِن الشمسِ والمطرِ… فتهطلُ أمطارُ الدماءِ قبلَ مُنْبلجِ الصباحِ…

 بُشْرَى… شَمْسُ ما بعدَ المطر… والمطرُ الذي يأتي بعدَ الظمأ… لا، هذه الطعنةُ لن تَشْفَى، وهذا الوجعُ لنْ يُغلبَ إلا أنْ أراكِ باسمةً مرةً أخرى…

الحُزْنُ كائنٌ ضعيفٌ ذاوٍ في زوايا مَنْسيةٍ حينَ يُذْكرُ اسْمُكِ… هل رأيتمُ امرأةً تمنحُ قلْبَها للراحلين… وتُهدي حنينَها للغيمِ والريحِ فيمرَّ على البلادِ جميعِها…

 أولُ النساء الباسماتِ هي أنتِ… وآخرُ النساءِ الباكياتِ على جُثَثِ المَوْتَى هي أنتِ… هي أنتِ والمسافةُ التي بيني وبينكِ لن نَتْرُكَهَا للحزنِ أبداً… لن نَتْرُكَهَا لهؤلاءِ القادمينَ مِن حَيْثُ لا أدْرِي ولا تَدْرِينَ… يْمْتَطُونَ هذهِ المسافةَ فتصيرينَ بعيدةً عن انتِظَاري…

السواحلُ… والصيف… واللؤلؤاتُ التي تَنْتَظِرُ مَنْ يبْحَثُ عنها… هذا الزمنُ يستلُّ الدَّمعاتِ من أعيُنِنَا دونَ أنْ نَدْرِي… يأخُذُ من بينِ أيْدِيْنَا الأحبةَ وَيُعْطِيْنَا الدموعَ… بعدَ اليومَ لن نُريدَ مزيداً من الدموعِ… ولن نَتْلُوَ قصائدَ لرثاءِ أحبَّتِنَا الراحلين…

النارُ في الهشيمِ… وأنتِ أمواجٌ تمرُّ على ما يَعْلَقُ مِن النارِ في وَجْهِ الأرضِ الجميلِ…

 مَنْ شَوَّهَ وَجْهَ الحياةِ إلا هُمْ..ومَنْ مَدَّ خِنْجَرَهُ قَبْلَ أصابِعِهِ إلى أعْيُنِ النساءِ الحالماتِ بضحكةٍ عاصفةٍ إلا هُمْ… أحِبُّكِ… فأرجُوْكِ لا تَرْحلي فأنا رجلٌ يخْشَى أن يظلَّ بلا حبيبةٍ… أخشَى أنْ أكتُبَ شعراً لامرأةٍ طَوَاهَا الغيابُ…

 لآخرِ رسالةٍ يبْعثُهَا القمرُ سأبْقَى ساهراً هذا الليل… وَمَعَ أولِ مكتوبِ غرامٍ تُرْسِلُهُ الشمسُ سأقفُ غداً… غداً سأحَمِّلُ العصافيرَ الضاحكةَ حقائبَ مِن  دموعِ الليلِ… سأقولُ لَهَا بَلِّغِي مَنْ علَّمَتْنِي الحبَّ والشَّعْرَ أولَ مرةٍ أنَّنِي مَا زلتً سائراً على الطريقِ…

ليسَ من عبثٍ أن أقولَ: إنِّي أحِبُّكِ، أبداً… فَهِيَ اللافتةُ التي تَقِفُ بوجهِ لافتاتِ النَّعْيِ الباكيةِ…حبُّكِ هُو الذي جَعَلَ مني شاعراً يَزُفُّ قصائِدَهُ للنساءِ والوطنِ…

أبداً لنْ أسْتَسْلِمَ مِنْ مُغَامَرَةِ الحُبِّ…

قمراً قمراً تَتَهاوَى الأقمارُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي… وَنَجْمَةً نَجْمَةً تأفلُ النُّجُوْمُ… الشمسُ تُحمِّلُنِي كثيرَاً مِن الشَّوْقِ وَتَغِيْبُ… تَغِيْبُ فَالحَنِيْنُ يَمْلأُ الكونَ الفَسِيحَ… فِي الظلامِ أمُدُّ يَدِي إليكِ وأَنْتِ هُنَاكَ… وَبَيْنِي وَبَيْنَكِ مَسَاحَةٌ خَضْراءُ يحتلُّها الجرادُ… أرسُمُ خارطةً لوطنٍ لا تجْرِي الدِّمَاءُ عَلَى عُشْبِه النَّدِيِّ… أشتاقُ لوطنٍ لا تختلطُ الدماءُ بالنَّدَى في صَبَاحَاتِهِ…

 

أيُّهَا الوطنُ أُحِبُّكَ كثيراً كُلَّما أمُدُّ يَدِي إلى نَخِيْلِكَ… وَكُلَّما يَمُدُّ النهرُ يدَهُ إليَّ… وأَصْرُخُ فِي وَجْهِكَ كَثِيْراً كُلَّما أراكَ حُفَراً مِن جُثَثِ المَوْتَى… مِنْ أجْلِكَ أنْتَ قُتِلُوا… وَلأجْلِكَ أَنْتَ كُلُّ هذَا العذابِ…

عابِرُوْنَ وَعَلَى حَافَّتَي الطريقِ طُيورٌ مُحْترقَةٌ…رائحةُ الجُثَثِ تسبقُ رائحةَ القمحِ واليَاسَمِيْن… عابِرُوْنَ والموجُ الذي يُنادِي خُطانَا بَعِيْدٌ بَعِيدٌ… للساحِلِ البَعِيْدِ أرْكُضُ كالأطْفَالِ… كَالمَجانِيْن… أرْكُضُ كي أُضَمِّدَ جِرَاحَاتي بِمَوْجةٍ عائِدَةٍ مِنَ السَّاحِلِ الآخَرِ…

أُحِبُّكِ… فَيَنْزَوِي الحزنُ وحِيْداً كقطَّةٍ شارِدَةْ… الشَّمْسُ تُهْدِي ضِيَاءَهَا للأشْيَاءِ… وَبِجَانِبِ الجَبَلِ تَبْقَى شجرةٌ من حنان… هِي التَّي تُهْدِي إليَّ الحنينَ قبلَ الظلالِ…  كانَتْ شجرة حب تَجُوْدُ بالضياءِ، ومَحَطَّةً فَرَحِ لا تمل من العطاء  ..

وكما تلجَأُ النَّوارِسُ الظامِئَةُ إلى شاطئِ السلامِ ومنابع الزلال يلجأُ الطلابُ إلى بُشْرَى البُسْتَانِي… ولا يَقْتَصِرُ ذلك على طلبةِ الدراساتِ العليا حيث تتفرغ للتدريس والإشراف، إذ لا يَنْفَكُّ طلبةُ الدراساتِ الأوليةِ من زيارتِها ومحاورتِها في قضايا الأدب والشعر، فأذكُرُ أنني زرتُها أولَ مرةٍ حينَما كنتُ طالباً في المرحلةِ الثانيةِ من قسم اللغة العربية في كلية الآداب.

 أما طلابُ الدراسات العليا فهم يَسْعَوْن إليها لتكون مشرفةً على بحوثهم، فهم يجدون عنْدَها العلمَ والقيمَ النبيلةَ العُليا.

أنا لا أتكلمُ من فراغٍ فهي التي أشرفتْ على بحثي في الماجستير ((الليل في القرآن الكريم، دراسة فنية)) فمنذ اختيارِنا الموضوع إلى أنْ تلا علينا رئيس لجنة المناقشة درجة الامتياز التي حصلت عليها كانت هي معي، كانت بعينيها الساهرَتين تتابعُ حُرُوفي وكلماتِي… عيناها الساهرتان قمران ينيران لي الليلَ فأكتُب عن الليلِ في القرآنِ الكريمِ… أملاً وتفاؤلاً كنتُ آخُذُ مِنْهَا كلَّ لقاءٍ… كانت تحترمُ وجهةَ نظري وإن اختلفتُ معها وهي البصيرةُ باللغةِ والأدبِ… كنتُ أكتُب ومعي مسافاتٌ من الحريةِ منحتني إياها كلماتُها العصيةُ على النسيانِ.

 بِوجهٍ مبتسمٍ، وبلقاءٍ جديدٍ كانت تستقبلني كلَّ مرة، تُمطرني بالترحابِ في الكلية أو في المنزل… في منزلها مكتبةٌ عامرةٌ… بِيَدِي أنْتَقِي ما شئتُ منْ كُتُبٍ، لم تَقُلْ لي أبداً إنَّ مدةَ إعارة الكتاب كذا، أو لا أستطيعُ إعطاءكَ هذا الكتابَ الآن…

كُلَّما تحاورنا عن البحث كنتُ أشعُرُ من شدةِ حِرْصها أنَّ البحث لها وليس لي فازدادُ اطمئناناً…

تناقِشُ بهدوء وتمنَحُ طلابَها ثقةً عاليةً بأنفسِهِم، وتعملُ بجدٍّ…ترهق نفسها أكثر مما تُرهق طُلابَها أو تكلفهم فوق ما يَطِيْقُون… لهذا ولغيرِه يزدحِمُ طلبةُ الدراساتِ العُليا عَلَى بَابِها…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: