الرفض في مجموعة (مكابدات الشجر) للشاعرة بشرى البستاني.. عبد الغفار عبد الجبار عمر

 

 

 

   

                                                                                                    الملخص

 شكل الرفض واحداً من سمات الخطاب الشعري الحي وقضية مهمة من القضايا التي تحكم عملية انتاج الدلالة النصية، فهو يعبر عن ظواهر المواجهة المتحدية والمتطلعة الى استيعاب قضايا المجتمع المعاصر، اذ تكمن مهمته في ارادة التغيير ومواجهة الواقع ودفاعاً عن الحرية.

Rejection

In (Mukabadat AL – Shajar) Series for the poet (Bushra AL – Bustani)

Assistinant Lecturer

Abdul Jhafar Abdul Jabar Omar

College of Education / Arabic Language Department

 

Abstract

The rejection constituted one of the characteristics of the alive and an important case of the cases that manage the process of producing the textual indication. It expresses the facing, challenging and expecting phenomena for comprehending the contemporary cases of the society, where its mission is restricted in changing desire and facing the reality and defending freedom.


الرفض

في مجموعة (مكابدات الشجر)

للشاعرة بشرى البستاني

يعد الرفض واحداً من سمات الخطاب الشعري الحي وقضية مهمة من القضايا التي تحكم عملية انتاج الدلالة النصية فهو العلامة التي يتبادلها الشعراء ممن يملكون القدرة على رؤية العالم رؤية فاحصة واعية بواقعها لانه (( يعبر عن ظواهر المواجهة المتحدية المتطلعة الى استيعاب قضايا المجتمع المعاصر عامة في نطاق رؤية شخصية معينة))(1) وهذه المواجهة لا تقتصر على اتخاذ موقف مضاد من وقائع مسلم بها، انما هو موقف ايجابي من واقع سلبي، لذا نرى ادونيس يحدد الرفض على انه تجاوز الواقع الى واقع افضل : الرفض بحد ذاته عنصر هدم ولكن ما من ثورة جذرية او حضارة جديدة تأتي دون ان يتقدمها الرفض ويمهد لها، فاذا رفضنا ان نأخذ حياتنا بحضورنا المظلم والزائف لا يعني اننا نتخلى عنها انما نتخطى هذا الحضور الى حضور لائق، ومن هنا فان مهمة الرفض تكمن في ارادة التغيير فهو ليس هرباً او نفياً انما هو مواجهة للواقع ودفاع عن الحرية(2). من هنا نجد ان الرفض غير الاغتراب فالمغترب يسعى الى الانفصال عن واقعه (في حالته السلبية) اما الرافض فليس بهارب انما هو مواجه حتى لو ترتب على هذه المواجهة التضحية بالذات(3). وقد توجه الشعراء المعاصرون برفضهم الى الواقع المتخلف البائس الذي جرح الانسان وخرب حياته من أجل هدم كل عوامل السلب والجدب والافتقار التي تشتغل فيه مع الانسان بضدية وعداء مما حتم عليهم العمل على التصدي والمقاومة بكل الادوات المتاحة بحثاً عن بديل يحمل في طياته غداً اكثر رافة بحلم الانسان ومشروعه المستقبلي(4). من خلال مخطط واضح ومنطلق أصيل يستهدف نقد الواقع وتحريكه ثم تحريره من عوامل الضعف والتخلف وذلك رفض له رباط قائم مع الواقع والحياة(5).

وفي ظل السلبيات الجمة التي يعيشها الواقع المعاصر تباينت الرؤى واختلفت المفاهيم في تحديد مصطلح الرفض لكننا سنقف على أهم هذه الاراء لنرى مدى تشابك المفهوم وسعته وصعوبة تحديده :

–   فالفلسفيون يرون انه : مقاومة الارادة لدافع معين، ورفضها التصديق بالامر او تأييده والانقياد له مما يوجب اتصاف صاحبه بقوة الارادة لا بضعفها(6). وهذا يؤيد ان الرفض في جوهره مواجهة تتحدى الانقياد والاذعان.

–   واصحاب المدرسة النفسية يؤكدون ان اسباب وصول الانسان الى هذه الحالة (الرفض) هي امكانية تملك الرغبات بالفرد اذ تدفعه الى المطالبة والتحقيق مما سيؤدي الى التصادم بينه وبين مجتمعه وعدم الاعتراف بواقعه(7). مما يجعله في حالة دفاعية ضد الواقع الخارجي تمنعه من الاستسلام للقيم السائدة في المجتمع وبالتالي يرفض ان يتنازل عن نفسه وهو ما اشار اليه – ايريك فروم – في ربطه بين غياب ظاهرة الرفض والفردية بقوله (( ان الفرد يكف عن ان يصبح نفسه انه يعتنق تماماً نوع الشخصية المقدم له من جانب النماذج الحضارية لهذا فانه يصبح تماماً شأن الآخرين وكما يتوقعون منه ان يكون …. والشخص الذي يتنازل عن نفسه ويصبح آلة متطابقة مع ملايين الآخرين المحيطين به لا يحتاج الى ان يشعر بانه وحيد وقلق بعد هذا، وعلى اية حال فان الثمن الذي يدفعه غال، انه فقدان نفسه))(8).

–   اما الماديون فقد نظروا الى الرفض من موقف موضوعي يؤدي اليه الوعي بالضياع في واقع يكبل الفرد اخلاقياً ومادياً، فالوعي هو مرحلة التقويم والتساؤل عن القيم الموروثة ومنزلة الاستغلال الاقتصادي، ويكون البديل هو (الرفض) والمناداة بقيم وعلاقات انتاج جديدة تضمن التكافؤ بين الافراد(9).

–   وحاول الوجوديون بدورهم النظر الى الرفض من خلال ظاهرة (التمرد أو الثورة) وكان – البير كامو – منظراً لهذه الظاهرة فقد انطلق من التساؤل (من هو الانسان المتمرد ؟) واجاب (هو من يصرخ بـ “لا”) ويستدرك على قوله ((على الثائر اذا ما رفض الا يتراجع )) وفي نظره ان هذه الظاهرة لا تولد عند من كان خاضعاً للاضطهاد حسب، انما تولد احياناً عند من كان شاهداً عليه(10). ويتضح تأكيد الوجوديين على الاسباب المعنوية للارتقاء الى منزلة الرفض، فالتوق الى التحرر ضرورة اخلاقية اكثر منها مادية ويتوقفون عند مرحلة التساؤل والتشكك والتمزق اكثر من التجاوز الحاسم(11). وهذا ما سيقودنا الى السؤال المهم هل الرافض (لا منتمٍ) ؟ من المؤكد أن الرافض غير اللامنتمي الذي تحدث عنه – كولون ولسون – اذ الاول ايجابي لا يرفض الحياة، مقبل عليها لانه يسعى الى حياة اجمل واكمل، اما الثاني فهو سلبي لا يرى الا الاضطراب والفوضى مما يجعله يلجأ الى غرفته ويغلق بابها ويعيش ليرقب الاخرين من ثقب الحائط(12). من هذه الاراء يمكن تجزئة محيط الرفض الى ثلاثة وجوه:

الأول:  في اطلالة الرؤية الكونية له بما يشمله من اكتشاف لمعاني الحياة والموت ومنزلة الانسان في الوجود.

والثاني: فيمثل موقف الرافض من الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

والثالث: ان الرفض المكتمل لا يتوقف عند حد التنكر للقديم او الموجود، انما يقترح البديل ويخطط للمستقبل، وهذه المعاني الثلاثة تولد معاً على مدى تجربة الرفض(13) لذا كان منهجاً يهدف الى البناء ولم يكن هرباً انما مواجهة اساسها الغضب واليأس والشك الذي يؤدي الى طرح تساؤلات واتخاذ مواقف جذرية.

واذا كان من طبيعة الرؤيا الشعرية انها رؤية حركية حيوية فاعلة جدلية فإن الرفض لديها لابد ان يتخذ اشكالاً، لذا تباين النقاد في موقفهم منه وقسموه الى مستويات متعددة لان دارس الرفض في الشعر على وجه الخصوص يجد تبايناً واختلافاً قي اقسامه والسبب في ذلك هو (( الاختلاف بالمنطلقات ولاسيما ان الاسس الفلسفية التي قامت عليها المعرفيات الغربية الحديثة زادت من تشابك مفهومات الرفض في دعوتها الى احراق كل السفن ومحو الاوراق واشعال الحرائق باسفار الانسان ليقف عند خط شروع جديد))(14). ومن هذه الاقسام :

–      رفض جزئي وكلي : وهو رفض يتناول مظاهر الحياة السلبية كالعلائق الدولية والاجتماعية والمعتقدات التقاليد … الخ لكنه يبقى على المقولات الاساسية والمبادئ المنطقية كمبدأ الهوية ومبدأ اللاتناقض … ويمكن ان ندعو هذا الرفض رفضاً حضارياً وهو الاهم في شعر الرافضين العرب(15).

–      رفض شامل أو كياني : وهو ذو وجه فلسفي اذ يحب فيه الشاعر وحدته ولا يبحث فيه عن تأليف للتناقض بين القوى العمياء القاهرة انما يتحدى التناقض ويفتح صدره للمحنة ويعانق هزيمته ببطوله ويمجد جراحه ويعمق الهوة بين الواقع والمثال(16).

–             رفض سلبي يائس يخضع فيه الانسان لقدر محتوم تكون فيه المقاومة ضرباً من العبث.

–      ورفض يتداخل فيه اليأس بالأمل حتى لا يكاد يميز قارئ نصوص هذا النوع بين مراد ومراد، وبين يأس ورجاء، واخيراً الرفض الذي يعرف ما يريد وهو المطلوب في الفن والمشروع الواعي الذي يبحث عن طريق الخلاص مندمجاً بالايمان والارادة، انه مشروع القدرة على الاختيار تمجيداً لقضية الحرية وتحقيقاً للموقف منها، فالرفض الواعي اذن نوع من التحقق لان الانسحاب من المنظومة المرفوضة يعني انفصالاً عنها وانتماء للمنطقة المضادة لها في حال الرفض الثوري. وقد توجد كل الانواع في نص واحد ولكن العبرة تكمن في الرؤية الشعرية التي ترتكز عليها مجمل النصوص والتي تجعلها قادرة على احتواء فعل الحياة بحركيتها وبشموليتها(17).

مما تقدم هل وصل الشاعر العربي الى مرحلة الرفض ؟ وهل كان رفضه تغييرياً ؟ وهل كان ضرباً من البطولة ؟ ام انه مشروع ظل يشتغل في اطار الكلمة ؟

ترى – خالدة سعيد – ان الشاعر العربي لم يبلغ مرحلة الرفض التي تقوم على تقويض اسس العالم القائم وبناء عالم جديد على انقاضه لانه – حسب رأيها – بقي لحد الآن مجرد عدم قبول، مجرد تخلٍ عن مسلمات وبديهيات انه مازال في مرحلة النفي والانكار، انه رفض سلمي لان الشاعر الرافض لم يبدأ الثورة على العالم(18). وهذا ما دفع الى التمسك بمبدأ النفي لان نفس الشاعر تضيق بحدود العالم المرسومة وقوانينه وانظمته التي تكبله، لكنه في الوقت نفسه يسعى الى تخطيه وفضحه وكشف تناقضاته.

ولكن هل كان رفض الشاعر في هذه المرحلة تغييرياً ؟ والجواب انه لم يكن كذلك والسبب يعود الى قضية مهمة وهي دور الأدب في الحياة وهل مازال دوره سلبياً ؟ وهل تسمع كلمته ؟ لعل الاجوبة عن هذه الطروحات غدت متداخلة في عصر اختلط فيه (الحابل بالنابل) اذ مات المؤلف، وغابت المرجعيات كلياً، وتوارى الواقع وصارت شخصيات الادب ورقية، وصارت السماء والارض والامكنة والازمنة والاحداث والوقائع كوناً لغوياً، لكن متى ما تحول الرفض من مشروع لغوي محض الى مشروع عمل ثوري هدفه التغيير والبناء. فانه عندئذ سيكون رفضاً تغييرياً لكنه في الوقت نفسه سيحتاج الى مؤازره كل العوامل الايجابية في المجتمع معرفية ام عملية(19).

اما – نوري حمودي القيسي – فيرى ان الرفض من المعطيات الانسانية الكريمة اذ تتجلى صوره بشكل بطولي عبر اعمال الامم الشعرية المتناثرة او الاشكال والمظاهر المتفاوتة، وهو الذي يدعو الامم الحية الى ان تقف شامخة بوجه التحديات لانه من المظاهر الحية لجوهر البطولة(20). فالرفض عنده ظاهرة بطولية رائدة واحد مظاهر الانتماء للامة، لانه يواجه ويغير مما جعل الشاعر العربي يختار المجابهة ورفض ما هو قائم مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر وجهود.

فالشاعر المعاصر يسعى الى رفض كل البنى التي ادت الى الهزائم والتراجعات. لانه  يؤمن بالحياة ويبحث عن الامل ويدحض كل عوامل السلب من اجل بناء انسان مقتدر على متابعة المسير، ومتى ما عمل على تحويل المبادئ من قيمة مجردة الى فعل خلاق عند ذلك يكون الرفض بطولياً.

من هذا المنطلق سنقتحم عالم قصيدة الرفض في مجموعة “مكابدات الشجر” للشاعرة – بشرى البستاني – عبر قراءة النص واستجلاء دلالاته واستكناه ما يرنو اليه، اذ تعالت نبرة الرفض من بداية المجموعة حتى نهايتها مشتعلة بمواجع الذات وعذابات الروح والانهماك في المشروع الوطني والقومي والانساني فالمجموعة تعكس معاناة الذات الشاعرة في مواجهة العالم الخارجي، ان اللحظة الشعرية عند – بشرى البستاني – تبدأ من العنوان الذي هو عتبة النص او المدخل حسب تعبير – مارتن هيدجر- (21). اذ انها نحتت عنوانات مجاميعها بعناية فائقة تحت سقف التكثيف والايجاز في صياغة لغوية تنتج دلالات الرفض عبر طريقين اثنين، الاول مباشر مثل مجموعة (الاغنية والسكين) ومجموعة (انا والاسوار)، والثاني غير مباشر مثل مجموعة (ما بعد الحزن) ومجموعة (اقبل كف العراق) ومجموعة (زهر الحدائق) ومجموعة (البحر يصطاف الضفاف) ويندرج الديوان قيد الدراسة ضمن الطريقة الاولى، لكنه يتجلى عبر متن القصائد في المجموعة بصيغتيه المباشرة والايحائية، وان كان الرفض الصريح الموجع يغلب على مجمل القصائد في مجموعة “مكابدات الشجر” حيث تتوالى الصراعات والوقائع مما يخلق توتراً في العبارة الشعرية لانتاج المعنى، فالثيمة الاساسية للمجموعة هي (الرفض) الذي انطلق من العنوان الذي مثل رفضاً مباشراً يحكي قصة العذاب الانساني بمستويات وجدانية تأملية وبلغة البوح الذاتي والمكابدة الفردية التي تحيل على مكابدة انسانية شاملة وفضح عمق المعاناة والواقع المتخلف البائس الذي جرح روح الانسان المعاصر وخرب حياته، لذا تؤسس الشاعرة في مجموعتها قولها الشعري باجتراحها لغة ايحائية فاضحة تحكي عبر موجاتها الدلالية معاناة الانسان ومكابداته في واقعه لترسم واقعاً اكثر انسانية وعدلاً واكثر انسجاماً والفة.

توشح الرفض في المجموعة باحاسيس مؤلمة ومكابدات محزنة اذ يتوزع على موجهات وجدانية يطالعنا في كل موجهة بمستوى لغوي جديد ليقيم خطابه الشعري الذي شكل مفرداته وتفاصيله ومن هذه الموجهات :-

1-          رفض مكابدة المكان : 

يعد المكان / الوطن المحرك الاساس لشعراء الرفض، فعندما تتعلق القضية بالوطن يتوارى كل صوت خلاف الصوت المعبر عنه، هنا يكون صوت الشاعر الاعلى والاقوى ضد الاوضاع الاجتماعية والزيف والنفاق … الخ وامام هذا العبث الحاصل بالمكان / الوطن وقف الشاعر ليكون الصوت الرافض لكل المظاهر والنظم والاوضاع المختلفة في عالمه، فهو ابرز العناصر الدالة على وجود الانسان ونشاطه ومستوى تفكيره فلا يمكن ان يعيش الناس بدون مكان، كما لا يمكن تصور المكان وتحديده الا بوجود الانسان فيه، لذا اصبح الحس المكاني جزءاً من الطبيعة البشرية واذا ما تعرض احدهما الى الخطر او الضياع فان الحس يستنفر كل مكامن التصدي في سبيل الحفاظ على كيانه، لذلك عدّ هاجس الانفصال بين الشاعر وواقعه هو في جوهره هاجساً مكانياً لانه محور التجربة الشعرية(22).

شكلت (الجبال) في قصيدة – العراق – الثيمة الاساسية التي تشظت بشذراتها عبر نسيج القصيدة لتقيم مستويات وجدانية تأملية، فمنذ المطلع الذي بدأ بصوت فجائعي يرسم حالات المكابدة الطافحة بالألم.

تلوب الطيور الجبال

الجبال الجبال

الجبال تؤرقني(23).

فصيغة الفعل المضارع المستمر (تلوب) الذي اتسم به كل من (الطير والجبال) ما هو الا رسم تصويري لما يعانيه الوطن الذي اشبه الجبال بصفاته في القوة والقدرة على التحمل والمقاومة على الرغم مما يعاني من مكابدات والم، ومن ثم تتحرك الاشياء برموزها وعلاقاتها في فضاء شعري توجهه الذات الشاعرة في اداءات لغوية (الجبال تؤرقني) لتعلن عن رفضها والمها مما يعانيه الوطن من مظاهر القهر والاستلاب، ثم تستمر العملية بدلالاتها المثقلة لترسم نوعاً آخر من المعاناة لكن في داخل الوطن.

الجبال التي شردتني

الجبال التي هجرتني

وأهجرها

وأحن اليها

فتبكي جروحي

وأنسى الذي كان ما بيننا من ملام(24).

فبروز التعابير (شردتني / هجرتني) المتعلقة ببنية المكان (الجبال) ما هو الا رفض صريح لما عانته الذات الشاعرة من مكابدات وعذاب مما جعلها تتخذ موقفها الموسوم بالانفصال (واهجرها)، لكنها تنسى هذه الآلام وتتجاوز العذاب ليظل المكان بما يحمله من ايقاعات القهر يضم الروح الداخلية للذات الشاعرة (واحن اليها) لينصهر امامها كل شيء ويدخل في حيز النسيان اذ ما تلبث مشاعر الحب والحنين ان تغيب كل ما سواها لتبقى هي الشاهد الوحيد على المحنة، وان البوح الذي يطلقه النص الشعري وشكوى المكان المتحد بكائناته الاليفة (الطيور) من الة الحرب التي أوقعت عليها الظلم والتدمير كل ذلك تعبير عن رفض العدوان جملة وتفصيلاً فالمكان واشياؤه والارض وما عليها أمور لها مساس حميم بإنسانية الانسان ولذلك يرفض الشعر أذاها ويرفض حرقها والحاق العذاب بها :

ترمقني الشرفة الحائرة

تقول السجاجيد :

                   أخشى الحريق

يقول الجدار : خذيني

يلملم أركانه البيت

يهمس : لا تفزعي من نزيفي

ويأتي الى الشجر ..

ويلقي بأشجانه فوق صدري

يتمتم : اكرههم، اكره الموت في مائهم

وتدور العصافير حول النوافذ،

تذبح حول النوافذ(25).

 

 

2-          رفض الاضطهاد : 

أبى الخلق العربي في فطرته منذ القدم الضيم والاضطهاد الذي اثار مكنونات الغضب والانفعال في داخله، لذا تكون عنده اول حركة يرفض فيها ان (( يمس كيانه، انه يناضل من اجل سلامة كل جزء من كينونته)) ويسعى لتاكيد ذاته(26).

ولقد تفشت ظاهرة الاضطهاد في واقعنا المعاصر واصبحت الهم الاكبر للشاعر، اذ هاجم الاضطهاد وصب رفضه على مسببيه ولاسيما هذا النوع الذي لازم النظم العربية التي البسته اسم الثورة والتحرر، ومن ابرز انواع الاضطهاد التي حاربها الشاعر هو – اضطهاد المرأة – التي كان اضطهادها عملاً يومياً في واقعنا العربي :

والعراق عباءة أمي

وثوب العذارى

اللواتي يمتن على السفح

من ظمأ واغتراب(27).

تلجأ الذات الشاعرة هنا الى عملية التكثيف والاختزال في بنية الملفوظ عبر انتقال الخطاب المفعم بالاحساس والضاج بالحركة (العراق) الى دلالات تشير الى الانثى (عباءة امي / ثوب العذارى) لتحكي المعاناة وشكل الاضطهاد الذي يمارس بحقهن (اللواتي يمتن على السفح) في ايقاع حزين مكسور (من ظمأ واغتراب) فهو رفض لهذا التغييب والتهميش المستمر بحق المرأة ولاسيما انه يصدر من صاحب القرار (حكام الوطن)

ان الذات الشاعرة لا تنظر هنا الى عذاب العراق على انه عذاب سياسي حسب تتقاذفه ايديولوجيات متباينة متصارعة، انما هي تنظر الى كثافة عذاباته التي تتراكم مع بعضها لتشكل عبئاً ثقيلاً يرزح تحت نيره الانسان العراقي بشرائحه كافة، ولاسيما ذلك النصف الذي وقع عليه جور طويل والذي يمثل الرعاية والحنان والعفاف والبراءة .. المرأة، ان اضطهاد المرأة الذي ادى بها الى الموت ظمأً واغتراباً هو واحد من عذابات العراق التي أدت الى اضعاف شوكته، وهو واقع يرفضه الشعر ويدين أسبابه، تم تعمد الذات الشاعرة الى تشكيل صور متوالية تحرص على ابراز مسائل واقعية تتمثل في كل تفاصيلها برؤيتها الوجدانية :

في الطريق الى مكة عيرتني القوافل

ان سأموت بلا كفن

         او سدور …

وفي المغرب العربي وجدت ثيابي

معلقة فوق صارية

وثيابي على جبل الشيخ في الشام

                   منشورة(28).

فالثياب هنا لا تمثل بؤرة انثوية حسب بل هي بؤرة انسانية كونها تتعلق بالجسد الانساني وتلامسه وهذه البؤر تتكرر عبر صور شعرية لتمثل الكرامة العربية المنتهكة والانكسار العربي الشامل من ارض المغرب العربي الى ارض الشام، فهذه الصور ما هي الا دلالة رافضة لما يعانية الانسان من اضطهاد، كما تكشف عن اهتزاز المعايير وارتباك الامور اذ تؤسس مشهداً قائماً في الحياة المعاصرة وهو مشهد طافح بالآلام والوجع (سأموت بلا كفن / ثيابي معلقة فوق صارية / ثيابي على جبل الشيخ منشورة) كاشفة عن رؤيتها الرافضة للظلم في عصرها مما يمنح النص عصريته ويربطه بلحظته التاريخية، مشيراً بوضوح الى وحدة الارض العربية التي يريد لها الاخر – التفتيت -، ووحدة الانسان العربي الذي يريد له الاخر – التمزق -.

 

3-          رفض الخيانة :

اتسم الانسان العربي قبل الاسلام وبعده بالخلق الكريم وبالنبل والعفة رغم الحاجة والعوز وبالوفاء فسجل بذلك موقفاً اخلاقياً قيده الشعر العربي على مر العصور واكدته قيم الاسلام ومبادئه بكل اباء واعتزاز، على ان هذا لا يلغي امكانية وجود صفات سلبية كالغدر والخيانة، الا ان المجتمع العربي حدد موقفه منها فأعلن رفضه لها مشهراً بمن يتصف بها لما تمثله من سلوك شائن، وقد عدوها من المثالب التي تسبب تفكك المجتمع وتحلل القيم السائدة والمبادئ السامية(29).

ولقد شكلت الخيانة هما آخر للشاعر المعاصر، فالخونة هم الاسباب الحقيقية لانكسار الامة فهم الكذابون المنافقون والمتكالبون على السلطة ومداحوها في الوقت نفسه، وهم الذين باعوا الارض والدين للآخر، فما كان على الشاعر الا ان يفضحهم ويفضح مكائدهم بلغة شعرية اتسمت بالألم والقهر:

أصعد عبر الجذوع

ارى ذمماً تشترى

وشعوباً تباع(30).

ان الذات الشاعرة هي اكثر الرائين للعالم في حدثه الكوني وفي حدثه التأريخي، لذا تتخذ موقع الراصد (أصعد) لتسند اشتغالات قوى المخيلة الى عملية الترقب ولترسم رفضها عبر صور من صفحات الخيانة في عصر الخراب الكبير (ارى ذمما تشترى / وشعوباً تباع) ولتعبر عن حركية معنى الضياع عبر عملية البيع في سوق الخسارة التي حدثت في الماضي وتحدث الآن.

تركّب الذات الشاعرة صوراً لغوية فيها تلميح تأريخي لترسم الحاضر العربي المليء بالخيانة بسرد احداث الماضي :

 

وشريفهم في الليل

يضرب كفه

ماذا سنفعل دونما تتر

همو وعدوا سيأتون العشية

والعلقمي اذا تأخر،

من سنعطيه مفاتيح القضية

يختض تاريخ الرماح

على ظهور علوجهم

ترتج احذية التتار

على سفوح جباههم

ياويل ماضيهم من الآتي …(31)

ان السخرية هنا من التخطيط لفعل الخيانة تصل بالنص حد المرارة اللاذعة اذ تجتهد الذات الشاعرة في هذا المقطع لتأسيس تناص عبر التركيب المنزاح بألم، اذ تضيف عبر تمظهرات الاشارات النصية المشتغلة على المفردة التأريخية وبلاغتها رؤيتها الرافضة من خيانة القائمين الحاليين المرموز اليهم بـ (وشريفهم) لتبرز المسكوت عنه بشعرية مفعمة بالرفض والألم من الذين يملكون مفاتيح قضايا الأمة ولكنهم بدل الحفاظ عليها يسلمونها هدية للاعداء (والعلقمي اذا تأخر / من سنعطيه مفاتيح القضية) كما فعل العلقمي الوزير عام 656هـ عن سابق اصرار وترصد، فهذه الصور رسمت الرفض من العمالة المتواطئة مع الاعداء لاغتيال الامة كما فعلوا بالامس.

أهذا زمان الرجوع … ؟

اذن …

انت تكتبه،

وتهادن سراً يمزقنا

لا نبوح به …

نكتوي

لا نبوح به(32).

تطرح عملية التساؤل (أهذا) على الخائنين البائعين استفزازاً بلاغياً في استدعاء الماضي وتوصيف افعاله داخل احداث النص، اذ كيف يعاد زمان الامجاد والأزدهار مادمتم تمارسون فعل الخيانة ؟ وتذكرهم بالسر المسكوت عنه الذي يمارس فعل الألم والعذاب على الذات الشاعرة (يمزقنا) كما ان تكرار اللازمة (لا نبوح به) يركب حالة شعرية داخل الذات وعلاقتها بالآخر فعدم البوح هو حالة انغلاق من الذات في عذابها وآلامها (نكتوي) مما يؤدي الى عدم فضح افعالهم التي ستكشف مزيداً من الصور المؤلمة.

 

4-          رفض الحرب :

واكبت الحرب حياة الانسان واختلفت اساليبها وتباينت صورها وتعددت اتجاهاتها، لذا عدت خسارة للمتحاربين لما تلحقه من دمار وخراب فلا ينجو منها راغب او كاره لها، فهي مطحنة الرجال والعابثة في الحياة(33) وقد وصفها – ابن عبد ربه – ت 328 هـ بان (أولها شكوى، واوسطها نجوى، واخرها بلوى)(34).

لذا مثلت الحرب مداراً للشعر الرافض لما فعلته بالبشرية من قتل وتخريب وتشريد، وما خلقته من جسور الدم والآلام، لقد كانت رؤية الشعراء للحرب رؤية استبصارية اذ قبضوا على اللحظة الساخنة عندما رأوها لحظة مكتملة للرصد والاستكشاف وقراءة المسكوت عنه. كما في قصيدة (بانتظار القصف) التي رسمت رفض الحرب بكل تفاصليها :

دقت الصافرة …

هو الوقت لا ينقضي

يقطع الوقت اوردتي

والدقائق ليست تمر

تعلقني فوق حبل مدلى ..

تسائل :

من سيموت بآخرة الليل :

طفلي،

أخي …

جارتي …

يد من سوف تقطع في آخر الليل

أو ساقه

جسم من ستهشم

تلك الصواريخ(35).

ان الذات الشاعرة تجتهد في تحقيق مجموعة من الروابط والعلائق بين هيكل البنى النصية وشفرات معانيها، اذ تهتم بفرز وحشد التفاصيل الحياتية المترشحة من وقائع واحداث موجهها الكلي (رفض الحرب) وهي الموضوعة الرئيسة التي تشغل ذهن الشاعرة، كما انها تحرق احاسيسها وتتلوع من جراء وقائعها، فصورة (دقت الصافرة) مفصل رؤيوي فجائعي ولد مشهداً يومياً للحالة المعيشة التي تحياها الشاعرة عبر فضحها للواقع الذي تخلقه الحرب وفعل الصواريخ في البشر (من سيموت بآخرة الليل / طفلي / اخي / جارتي / يد من سوف تقطع / او ساقه / جسم من ستهشم تلك الصواريخ) فتشطير الفجائعي اليومي المعلن يكون فضاء للصور البشعة المؤلمة التي لا تحتاج الى كلام.

 

5-          رفض الموت :

خلق الانسان ليحيا ويعيش، وبعد نظرة تأملية فاحصة للحياة وصراع طويل مع الزمن، وبعد محاولة مرة للوقوف بوجه الصعوبات وتحدي الموت ينتابه شعور بان ايامه معدودة وبقاؤه مرهون بها، لكنه أبى ان يستسلم للموت او يخضع له دون مقاومة(36).

لذا كان الموت محفزاً آخر لشعراء الرفض، فقد ساد الموت ظلماً في المنطقة العربية كما ساد الموت قتلاً وقهراً وعدواناً لذا رفض الشاعر هذا الموت الذي انتشر بلا هوادة ووقف متحدياً مجابهاً محفزاً على النهوض. وهذا ما نلمسه في المقطع :

من الماء للماء كان اللهب

يخضب أرض العرب …

ويصرخ في وجههم :

اطلقوني …

ويزحف سرواً

ونخلاً

وطير

ويركن حول شبابيك بيتي،

ويرفض

يرفض موتي(37).

تسبح الذات الشاعرة في لغة تصويرية مستنطقة في نسقها الرؤيوي ومنتجة عبر ديناميتها التشكيلية مشاهد مثيرة، فالماء الذي يحمل دلالة الحياة والتدفق تحول الى بنية مواجهة عبر انفتاحه على رؤى وجدانية وفيوضات متدفقة في سيل الفعل المضارع (يخضب/ يصرخ / يزحف / يركن / يرفض) ان حركة الفعل المستمر خلقت صورة شعرية تشظت في توليد معنى المواجهة للآخر (ويصرخ في وجههم) ليعبر عن رفضه الصريح لعملية التغييب التي يمارسونها بحق الذات الشاعرة (ويرفض / يرفض موتي)، هذه الذات التي تجاوزت ذاتها وانفتحت على شعب كامل يواجه العدوان ببراءة.

 

6-          رفض الضعف الانساني :

ارتسمت في شخصية الانسان العربي الشجاعة وسرت في دمه لانه عاش في بيئة قوية تمتاز بالبطولة والاقدام، وتؤمن بان الشجاعة وقاية والجبن مقتلة مما جعله يضحي بحياته من اجل غاية نبيلة(38) وهذه الطبيعة جعلته يرفض الهزيمة ويكره الضعف الانساني ويذمه لانه يعني (( خضوعه لكل عوامل الاستحذاء، وارتمائه في مهاوي الذل، وقبوله بكل ما تفرضه عليه ارادة المنتصر مهما كانت هويته))(39).

لذا شكل وضع الانسان وعلاقته بالعالم نوعاً آخر من شعر الرفض، فعندما يجد الانسان نفسه وحيداً في هذا العالم تحيط به عوامل اليأس والشك وفقدان القيم والمقدسات وعندما يجد نفسه يواجه قدراً أعمى تحاصره قوى الكون التي يقف عاجزاً امامها عندها سيلجأ الى الانفراد والابتعاد ويتلبس بالجمادات عجزاً منه وهرباً من مواجهة واقعه. وهذا ما تراه جلياً في قصيدة (موسيقى عراقية)

ليت الفتى حجر

يا ليتني حجر

التم حين شظايا الدهر تنهمر

التم حين تلوح الارض ساقيه

شوهاء

ينشج في اطرافها الشجر(40).

ينفتح النص على فضاءات الحزن وهي تفتت احلام الانسان الداخل فيجمع متوالياته الذهنية والحسية والمادية في لقطات شعرية عبر احساس التمني (ليت الفتى حجر) فالانسان عندما يتمنى ان يحيل نفسه الى موضوع ويخلع ذاته وانسانيته فان ذلك يعني انه قد وصل الى اعلى درجات الرفض اذ يصبح جسماً راكداً (ياليتني حجر)، كما ان النص اظهر لنا استثمار الذات الشاعرة لملفوظاتها المتقاربة في هيئة تشكيلية ايقاعية تولدت باداء موحٍ قادر على اثارة المتلقي، ومما يزيد عملية التجرد الانسانية بروز الفعل (ألتم) الذي تكرر مرتين ليحمل قيمته ومعانيه الرمزية والنفسية لتنسجم مع عملية الرفض ولتنبثق منها دلالة ساخرة حزينة        (ساقية / شوهاء) وبالتالي تصل الى مرحلة تكتمل فيها الصورة (ينشح في اطرافها الشجر) عبر استثمار عناصر المفارقة الاليمة والسخرية ليظل الحس الشعري يرسل مراراته واحزانه، لكن صورة الارض التي تحولت بالظلم والطغيان الى ساقية شوهاء يبكي الشجر في اطرافها من الظلم الواقع عليه يحفز امنية الشاعرة في ضرورة التماسك من أجل انجاز عملية المواجهة واستمرار المقاومة سعياً الى اعادة البهاء للارض. ان الفعل (ألتم) تمكن من التعبير عن غاية الرفض الكامنة في روح النص وهي التحصن بالقوة والصلابة دفاعاً عن حياة الانسان وعن كل ما يحبط به من جمال وخصب وتواصل، فالرفض هو الحركية العارمة التي ترفض الركود والسكونية والاستسلام وتسعى بكل ما تمتلك من اسلحة ايجابية الى تثوير عوامل الخصب الفاعلة لدحر الجدب والسلب والظلام والجمود.

هكذا يكون الرفض الهادف حالة من حالات الوعي الانساني في ارقى صورة، الوعي المصحوب بقوة الارادة والقدرة على التجاوز ضمن رؤية ثرية بعيدة المدى التي لابد لها كي تحقق اهدافها من الاتصاف بسمتين الاولى ((التخطيط والمنهجية)) والثانية ((العلم والمعرفة)) والاحاطة بخصائص الواقع الذي ترفضه والذي تسعى الى تغييره الى الافضل، فالمبدع الواعي يرفض من اجل ان يتوافق وينسجم، ويهدم من اجل ان يبني الاقوى والاجمل فهو لا يرفض الواقع هرباً منه ولا صدوداً عنه ولا زهداً فيه، انما يرفضه لانه واقع بائس عاجز عن تحقيق طموح الانسان المشروع في حياة كريمة فالذي يقبل دوماً والذي لا يرفض ابداً فانه يغرق في حياة الآخرين وفي اراداتهم “فأن اكون موجوداً شخصيا يعني ايضاً وغالباً .. ان اعرف كيف أقول : لا وان احتج(41).

 

7-          رفض العصر الدموي :

وجد الانسان نفسه في موقف ضعيف بعد ان غدا العنف لدى ملايين البشر حقيقة من حقائق الحياة، اذ ما تزال الحروب تنهك الاقطار النامية، وغدا التعذيب وسيلة من وسائل الدول المسيطرة، وكبت الحريات هدفاً من اهداف الصراع الانساني لذا فان الجنس البشري يتعرض في سباقه مع الزمن الى انواع من التهديد ليس لنوعية الحياة فحسب انما تهديداً للحياة باجمعها، فقسوة الانسان على اخيه ومدى ما يتصف به من القدرة على ممارسة هذه القسوة لم يسبق لها مثيل في التاريخ(42).

ان العنف الذي اتسم به طغيان العصر الحديث وما الحقه من اذى بالانسان وبحياته واوطانه ومجتمعاته دفع الشعر والابداع عموماً الى رفضه والاحتجاج عليه بحدة والى استنكار ظلم الطغاة فيه علناً ولعل قصيدة (احزان الغضا) خير مثال على هذا النوع من الرفض :

لا أريك الرضا

ان رمل الغضا غارق بالدما

ولآليء ليل الغضا أحبطت أنبياء القبائل

والرمل منكفئ

جرحه شق درباً الى البحر

طعنته رشقت وردة في السماء

فخرت على الارض

وانزرعت قبة في العراء

لا اريك الرضا

دمعة رفضت ان تسيل

فهبت حجارة ارض الغضا(43)

ان تناص هذه القصيدة مع يائية المتنبي التي هجا فيها كافوراً الاخشيدي هو تناص امتصاص وتحويل على رأي (جوليا كريستيفا) اذ تحول الرفض من رفض المخاطب وهو شخص كافور الى رفض عصر كامل اباح دم الانسان واستباح كرامته، كما تحول الرفض ذاته من رفض شخصي ذرائعي في النص القديم الى رفض مبدئي يمتلك موقفه ضد الظلم والاستلاب ولذلك فان النص يظل حريصاً على كبرياء الانسان يرفض ذله وهوان دمعه ولذلك رفضت دمعته ان تسيل، ان تكرار لازمة (لا اريك الرضا) خمس مرات تأكيد لرفض منهجي يدرك أهمية ما يريد ويعرف سر فجوات العذاب التي يرفضها ولذلك فان صوت الرفض في القصيدة لا يسلم توهجه لليأس او الألم الراكد انما هو يزرع الامل كلما سنحت الدلالة لاطلالة بارقة ضوء مما يؤشر قدرة على صنع القرار وايماناً بالغد وجدارة بمسؤولية بنائه مما يؤكد واحداً من أهم أهداف الرفض في الشعر والفنون ذلك الهدف هو التمرد والاحتجاج على نموذج حياتي ساكن متخلف والتطلع الى بناء نموذج حضاري جديد ليس عن طريق احلال البدائل الجاهزة انما عن طريق الجدلية الخلاقة التي تمكن من انتاج النقيض الحقيقي لذلك النموذج الساكن والتي تستطيع تشكيل نقلة نوعية من النمو الذي يعلن عن التحقق المنشود(44) ولذلك كانت نهاية القصيدة معلنة عن تفاؤل كامن وراء رفضها الحاد :

لا أريك الرضا

لا أريك الرضا

ان رمل الغضا مفعم بالنشيد

يستبد بأدغاله

ويراود ومضاً بعيد ..(45)

هكذا يكون الابداع الرافض محققاً ذاته غير الاعتيادية وسط ما هو اعتيادي مألوف بالمثابرة والبحث والقدرة على الاختيار مؤكداً قول جوته :- لا يستحق الحرية والحياة الا من يغزوهما كل يوم، ومفهوم الغزو هنا يعني ان الحرية والحياة محجوبان بالقيود والاغلال التي تبعد الانسان عن الانفتاح عليهما وتمنعه من حقه بهما، لكن الفنان او الشاعر برؤيته الواعية يندفع متصدياً لتلك القيود والاغلال رافضاً لها مؤمناً بقدرته الخلاقة على تحقيق حلمه الانساني في مستقبل لا يخذل ذاته ولا يبيع كبرياءه.

واخيراً فالمجموعة نفحات شعرية رافضة تفصح عن معانيها عبر موضوعات يومية وحالات حياتية قريبة من وجدان الشاعرة ومشاهدها ومشاركاتها الوجدانية وان كانت حريصة عير هذه المدونة على ارسال نبرة حادة، فالملفوظات التي حملتها تشي بالاثارة امام المشهد العام / الواقع الذي كان بدوره الباعث والمحرض لهذا الخطاب عبر لغة يحس من خلالها القارئ بالمرارة والألم والشوق مما يستحق الانتباه والدراسة.

 

– هوامش البحث –

1-                الرفض ومعانيه في شعر المتنبي، يوسف الحناشي : 5.

2-                ينظر : زمن الشعر : 161.

3-                ينظر : استراتيجيات القراءة، بسام قطوس : 164.

4-                مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني في كلية الاداب / جامعة الموصل في 20/6/ 2007.

5-                ينظر : خصائص الأدب العربي، انور الجندي : 367.

6-                ينظر : المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا : ج1 / 618.

7-       ينظر: قلق في الحضارة، فرويد: 26، نقلاً عن: الرفض ومعانيه في شعر المتنبي: 50، وينظر : معجم مصطلحات التحليل النفسي، جان لابلانش، ترجمة : مصطفى حجازي: 262 – 263.

8-                ينظر : الخوف من الحرية، ترجمة : مجاهد عبد المنعم مجاهد : 150.

9-                ينظر : مقدمة في الاقتصاد السياسي، كارل ماركس : 236، نقلاً عن : الرفض ومعانيه في شعر المتنبي : 50.

10-            ينظر : الانسان المتمرد، البيركامو، ترجمة : نهاد رضا : 27 – 33.

11-           ينظر : الرفض ومعانيه في شعر المتنبي : 50.

12-           ينظر : اللا منتمي : دراسة تحليلية لامراض البشر النفسية في القرن العشرين، ترجمة  : انيس زكي حسن :5.

13-           ينظر : الرفض ومعانيه في شعر المتنبي : 51.

14-           مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني.

15-           ينظر : بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث، خالدة سعيد، مجلة شعر، العدد 19 لسنة 1961 : 93.

16-           المصدر نفسه : 93 – 94.

17-           مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني.

18-           ينظر : بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث : 92.

19-           مقابلة مع الشاعرة بشرى البستاني.

20-           من صور الرفض والتحدي في الادب الجاهلي، مجلة قضايا عربية، لبنان، العدد 6 لسنة 1981 : 93.

21-           انشاد المنادي / مارتن هيدجر 17، نقلاً عن : رماد العنقاء، عبادس عبد جاسم : 20.

22-           ينظر : المكان في الشعر العراقي الحديث 1968 – 1980، سعود احمد يونس، اطروحة دكتوراه، ص 1.

23-           مكابدات الشجر : 7.

24-           المصدر نفسه : 7 – 8.

25-           المصدر نفسه : 35 – 36.

26-           ينظر: الانسان المتمرد : 28، و : الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام : 21.

27-           مكابدات الشجر : 9.

28-           المصدر نفسه : 11.

29-           ينظر : الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام : 60 وما بعدها.

30-           مكابدات الشجر: 14.

31-           المصدر نفسه : 17.

32-           المصدر نفسه : 21.

33-           ينظر : الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام : 138 – 139.

34-           العقد الفريد :1 / 94.

35-           مكابدات الشجر: 34 – 35.

36-           ينظر : الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام : 98.

37-           مكابدات الشجر: 38.

38-           ينظر : الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام : 68.

39-           شعر الحرب حتى القرن الاول الهجري، د. نوري حمودي القيسي : 59.

40-           مكابدات الشجر: 47.

41-           الشخصانية، اما نويل مونييه، ترجمة : محمود جمول : 54.

42-           ينظر : هل تكسب الانسانية معركتها، ترجمة : محمد عصفور : 19 – 20.

43-           مكابدات الشجر: 41.

44-           ينظر : استراتيجية التسمية، مطاع صفدي : 5.

45-           مكابدات الشجر : 44.

 

– المصادر والمراجع –

1-           الرفض ومعانيه في شعر المتنبي، يوسف الحناشي، الدار العربية للكتاب، تونس، 1984.

2-          استراتيجية التسمية في نظام الانظمة المعرفية، مطاع صفدي، دار الشؤون الثقافية العامة، ط2، بغداد، 1986.

3-          استراتيجيات القراءة، التأصيل والاجراء النقدي، د. بسام قطوس، مؤسسة حمادة ودار الكندي، اربد، 1998.

4-          الانسان المتمرد، البيركامو، ترجمة : نهاد رضا، مطبعة الكرم، ط1، لبنان، 1963.

5-          خصائص الادب العربي، انور الجندي، دار الكاتب اللبناني، بيروت، د. ت.

6-    الخوف من الحرية، ايريك فروم، ترجمة : مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1972.

7-          رماد العنقاء، شعراء اللحظة الحرجة من الهامش الى المركز، عباس عبد جاسم، منشورات الغسق، بابل، 2000.

8-          زمن الشعر، ادونيس، دار العودة، ط2، بيروت، 1978.

9-          الشخصانية، اما نويل مونييه، ترجمة : محمود جمول، المنشورات العربية، (د. ت)   (د. ط).

10-     شعر الحرب حتى القرن الاول الهجري، د. نوري حمودي القيسي، ط1، بيروت، 1986.

11-  العقد الفريد، ابن عبد ربه، تحقيق : احمد امين واحمد الزين وابراهيم الابياري، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، ط2، 1948.

12-  اللا منتمي، دراسة تحليلية لامراض البشر النفسية في القرن العشرين، كولن ولسون، ترجمة : انيس زكي حسن، دار الاداب، بيروت، ط2، 1982.

13-     المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، دار الكاتب العربي، بيروت، 1978.

14-  معجم مصطلحات التحليل النفسي، جان لابلانش، ترجمة : مصطفى حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985.

15-     مكابدات الشجر، مجموعة شعرية، بشرى البستاني، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2002.

16-  هل تكسب الانسانية معركتها، الهيئة المستقلة الخاصة بقضايا الانسانية في العالم، ترجمة محمد عصفور، مطبعة بنك البتراء، الاردن، (د. ت).

 

الدوريات

–             بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث، خالدة سعيد، مجلة شعر، العدد 19 لسنة 1961.

–             من صور الرفض والتحدي في الادب الجاهلي، د. نوري حمودي القيسي، مجلة قضايا عربية، العدد 6 لسنة 1981.

 

المقابلات

– مقابلة مع الشاعرة الدكتورة بشرى البستاني في كلية الاداب / جامعة الموصل في        20 / 6 / 2007.

 

الاطاريح

–      المكان في الشعر العراقي الحديث 1968 – 1980، اطروحة دكتوراه، تقدم بها سعود احمد يونس الى مجلس كلية الاداب / جامعة الموصل باشراف : د. بشرى حمدي البستاني 1417 هـ = 1996 م.

–      الرفض في الشعر العربي قبل الاسلام، رسالة ماجستير، تقدم بها عارف عبد الله الاحبابي، الى مجلس كلية التربية للبنات / جامعة تكريت باشراف : د. توفيق ابراهيم الجبوري 1420 هـ = 1999 م.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: