النحلة القارئة.. بسام ادريس الجلبي

“طالباتي يتساقطن في الظلمة آه .. كم احب طالباتي ..!”

بشرى

 “عندما اسمعها تخاطب احدى طالباتها : يا ابنتي يبتسم قلبي بسعادة أبٍ يسمع ابنته تداعب ابنتها، واظمأ لان تخاطبني، وانا طالبها : يا بني لتخرجني من ظلمة يتمي الابدي ..!”

 بسام

ليس  في “اجندة” حياتي الذاكراتية، “موعد” او “تاريخ” لتعرفي ببشرى البستاني. وهذا امر سليم لا اعتذر منه او عنه. ربما بالعكس. فهو علامة ايجابية في العلاقات بين – البشرية. فعندما لا تتذكر متى تَعَرَّفَتْ يدك اليمنى على اليسرى، فهذا يعني انك تعايش هذه الاعضاء بالموروث الجينوي. وعندما لا اتذكر متى تعرفتُ إلى الشمس، ومتى فقأ .. او فقع اللون الاصفر عصبي البصري .. فهذا يعني المعرفة بالموروث الطبيعي .. الفطري .. الاولاني. وفي بشرى البستاني شئ يدفعني لان تكون علاقتي بها : هكذا … فاقدة التاريخ .. لأنها، بشرى وعلاقتي بها، شيء من التاريخ. … فانا، ومنذ خرجتْ بشرى من رحم الخنساء .. ورحم (ام محمد) الموصلية .. لا اذكر وقتا لم اكن اعرف فيه ان بشرى البستاني شاعرة عراقية .. عربية .. موصلية. وفي الجغرافيا .. كنا بشرى وأنا جارين، يفصل بيننا تسعة وثلاثون جارا، فتكون جارتي ايضا، لانها الاربعون، كما يُحكى في المأثور. ولكننا لم نكن متعارفين. وكان تعارفنا جميلا وماتعا يليق بامرأة شاعرة .. ورجل يحترم المراة .. ويحب الشعر .. ليس كل / اي شعر. في ليلة من خريف السنة التي شلح فيها “مارس” بزته الحربية، ليدهن جسده استعدادا لحرب أخرى، التقينا في فندق جبلي في كردستان العراق. كنت وعائلتي على مائدة في “مقصف” الفندق، وغير بعيد عن مائدة كانت بشرى البستاني والاستاذة الموقرة العزيزة بتول غزال (الدكتورة الآن) حولها. تبادلنا التحيات، وحوارا قليلا صائتا غير مسموع بسبب الضجة التي يصنعها مخنوقون في جحيم السنوات الثمان العجاف .. والدة عقود تالية اكثر تَعَجُفا .. منها عقدنا ” ترويكي” الاحتلال. – ترويكا : مصطلح روسي للدلالة على الثلاثة .. الثلاثي – ثم توحدت العائلتان على طاولة واحدة. كانت بشرى تحضر لرسالة او اطروحة دراسات عليا .. لا اتذكر .. لكني اتذكر انني اكتشفت، من خلال الحوارات، انني امام امراة هي اكثر من طالبة دراسات عليا .. انها كائن يريد ان يعرف .. وان يعرف اكثر. علاقتي ببشرى من خلال دواوينها .. اول ما اقتنيت من شعرها “زهر الحدائق” الصادر عام 1984 . ويحمل ختمي تاريخ شرائه في (11/1/1988) ويحمل تاريخ فراغي من قراءة الديوان : “الساعة التاسعة من صباح الخميس (28/4/1988). والساعة التاسعة صباحا من ضمن ساعات العمل، فان لم يكن ذلك الخميس عطلة او اجازة لي، فهذا يعني اني انهيته وانا في محل وظيفتي، كما فعلت في الاتيان على مئات الكتب قراءةً في اكثر من اثنتين وعشرين سنة في خدمة رسمية ! في مطلع الشهر الاخير من السنة 1989 اخذت اجازة من دائرة عملي. وعبأت سيارتي بالمأكول والمشروب والمشموم، مع طاولة وكرسي صغيرتين، واتجهت الى “سرسنك” مستصحباًَ عبد الوهاب اسماعيل ومعد الجبوري وبشرى البستاني .. اعني دواوينهم. فقد كنت سنة تلك في بداية عملي في “اعلام الموصل” مهووسا بكل شيء موصلي .. منهوما لمعرفة اعلام الموصل المعاصرين المحيطين بي. وكنت في تلك السنة قد تعرفت على الشاعرين معد وعبد الوهاب . كنت اترك الفندق الحجري السرسنكي، وامتطي السيارة متجها الى “العمادية” متوقفا عند البقع الطبيعية التي تعجيني، وانزل امتعتي ومقعدي وكتبي .. واي شيء أجمل من ترتيل الشعر وحيدا بين ثلوج الجبال، تدفئها اشعة شمس كانونية! هنا يقول لي ديوان “انا والاسرار” لبشرى البستاني الصادر سنة 1978، اني اكملت قراءته في سرسنك، بتاريخ (3/12/1989). وتحت هذا التاريخ كتابة تُقرأ : “ثانية” – اي قرأته ثانية – في (21/6/1995) بالموصل. بقي ان أُعَرِّف بتاريخ شراء الكتاب : على ظهر الغلاف – الداخلي- يوجد ختمي مؤرخ / مؤرخا بـ (9/11/1989) وتحت الختم : “ملاحظة : * ينقص الكتاب ورقة الغلاف منذ الشراء * الكتابة بالحبر ليست مني وانا صاحب الكتاب الاخير : -بسام ادريس الجلبي-“. وانا اعرف سبب فقدان صفحة الغلاف، فهي في العادة تحمل اسم الشخص المهدى اليه الكتاب مع الاهداء، يَنْزَعُ هذه الورقة من يريد بيع الكتاب، والذي لايستحق اصلا اهداءه اليه، فمن يتنازل عن كتاب يحمل اهداء وتوقيع المهدى، لايستحق ان يهدى اليه اي كتاب، بل ويجب ان يمنع من اقتناء اي كتاب. الديوان الآخر هو “أُقَبِّل كف العراق” الصادر عام 1988. وتاريخ شرائي له (7/12/1999). وهكذا أرى أن ليس من بين دواوين بشرى ما هو مهدىً لي، وانا الذي احتفظ في مكتبتي بما اسميه “المكتبة الموصلية” تضم نتاجات الموصليين الابداعية والفكرية. وقد يُعد كلامي هذا من باب استهداء كتب من بشرى البستاني .. ليكن، فهو الاستهداء الوحيد الذي لايُخجل منه. والامر على العكس، فانا الآن اشعر بالخجل لان مكتبتي لا تقتني “زهرة التواقيع” .. توقيع بشرى البستاني. في النصف الثاني من تسعينات القرن المحسود لانصرامه، كانت بشرى البستاني قد طلبت مني كتابين او اكثر بواحد. وبعد مدة سمعت انها تستعد لتسافر الى الخارج. وقبل ان تعطيني بشرى الوقت “ليلعب” قلبي قلقا على كتبي، اتصلت بي، واتفقنا على موعد، اظن انه قريب من باب خروج السيارات من ملعب الجامعة. جاءت بشرى تتأبط حقيبتها النسوية – ليست الاستاذية- وفي يدها مغلف انيق قدَّرت انه يضم كتبي، حييت بشرى بود، كما اعتدت على تحيتها، واعتذرت من تكلفها عناء إعادة الكتب بنفسها، مقترحا انها كانت تستطيع ان ترسلها مع اي احد من المعارف المشتركين. قالت : بل حرصت على ان اطمأن على تسلمك الكتب فأعدتها بنفسي. وهنا احسست بانقباض في نفسي، وقلت لها – لنفسي وليس لبشرى- انها سترحل دون عودة. تحدثنا في شؤون لا اتذكر، الآن، مواضيعها، بيد ان من بينها، كان بالتاكيد، موضوعة سفرها، الذي قالت ، كعادة كل استاذ يسافر الى خارج العراق بانه لن يستغرق اكثر من شهور. وحولت انا الشهور، في عقلي، الى سنوات. وانا احس بغصة من يفقد اختا أو بنتاً. وسافرت بشرى … وتشاء الصدف ان تكون صادقة في قولها. فما هي الا اشهر حتى ضجت الاوساط الجامعية والثقافية في المدينة بعودة بشرى البستاني. وفي طوفان فرحي تذكرت قصيدة “بوشكين” التي حفظتها قبل ان اكمل ربع قرن من عمري .. وكتبت كلمة بعنوان “قـالوا لها : عودي .. قـلنا : إلى قـلوبنا”. كانت كلمة تنضح بعاطفة أصفى من الصدق … وختمتها بأبيات من قصيدة “بوشكين” موضحا أنني لا افعل ذلك عجزا. وقُرئت كلمة الترحيب من قبل أصدقائنا الأدباء المشتركين. وقتها قالوا لي : انك كتبت في بشرى غزلا صريحا. فأجبت : وماذا تريدون أن اكتب لامرأة …وشاعرة ! هل اكتب لها “رجعتِ .. عفية .. ويا جثير الهلا”! وانا الذي لا أكلم أُختيَّ السبعينيتين إلا غزلاً وتغزلاً بصوتيهما الرقيقين وشبابهما المتدفق. وانا واثق لو ان أمي التي تركتني وأنا في الحادية عشرة من عمري، لو بقيت الآن وهي في سن الحادية والتسعين لما كلمتها إلا شعراً غزلاً، مع التحفظ على المرحلة الاوديبية- الفرويدية! اذكر أن بشرى البستاني أجابتني على ذات الجريدة التي نشرت “غزلي” فيها، وخاطبتني، كما تخاطبني الآن، بأذكى وأَحيّد النداءات : الزميل … ولكنها في نداءاتها المواجهة تخاطبني : ياشقيقي، ردا على مخاطبتي اياها : يا شقيقتي .. من اسعد أوقاتي الثقافية الفكرية، السويعات التي أمضيها في مناقشة رسالة أو أطروحة دراسات عليا تكون بشرى البستاني رئيسة أو إحدى أعضاء لجنة المناقشة. استمتع عندما تكون مناقِشةً أكثر مما عندما تكون مُشرِفة. لأنها بنقاشها تدخلني إلى خميلة من أزاهير العلم والفن والخلق السامي. ويصعب عليّ أن اصدق أن أحدا يخاطب الطالب / الطالبة بيا ابنتي .. يا ابني بصدق وحب أكثر منها. اشعر أنها تمنح المناقَش عقلها وقلبها وخلقها. لذا أعدّ حضوري جلسات مناقشاتها شبيهة بحفلة اوركسترا اوبرالية، او فرقة سمفونية .. أخرج منها وقد ثملت بخمرة المتصوفة ! ما تزال بشرى تطلب كتباً مني … وأكون إذ ذاك سعيدا كسعادتي في “حفلات” مناقشتها. واشد ما يقلقني ألا يكون الكتاب الذي تطلبه من نزلاء مكتبتي، الأمر الذي لحسن حظي، لم يحدث لغاية كتابته. إن بشرى قارئة مزمنة وجادة ومتنوعة، يظهر ذلك من عناوين الكتب التي تطلبها. كما تظهر ثقافتها الدسمة في حواراتها ونقاشاتها. …. إنها نحلة تحط على كل أزهار المعرفة لتصنع عسلاً ثقافياً لذةً للمُتلقين …. ثمة مسألة نشترك، الدكتورة بشرى وأنا، في الاستياء منها واستنكارها واحتقارها. هي المسـألة التي يثيرها كفّانو ودفّانو اللغة العربية من المتحذلقين المتنطعين المتخلفين عقليا وعلمياً .. المسألة هي تذكير تخصص الأنثى، فبدلاً من أن يُقال كما هو واجب وصحيح لغويا: الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني يقف شيخ مكفن ليلقى علينا على طريقة الأستاذ الخالد مصطفى جواد، في طرائفه التي كانت تعنون بـ “قل ولاتقل” التي نشرت بُعيد وفاته المأسوف لأجلها بالعنوان نفسه – الصحيح آن يقال : لا تقل ..بل قل – … وقفت الجثة لتصرخ ليس صحيحا القول الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني بل الأستاذ الدكتور بشرى البستاني. والأستاذة الدكتورة بشرى البستاني تأخذ الأمور بثورة صامتة مذعنة لهدوئها ولأخلاق الوظيفة. أما أنا المتحصن وراء آفاق حريتي اللامنتمية، فآخذ المســألة بما عرف عني من “هوج” عقلاني. لذا نشرت مقالا مفندا لغويا وتاريخيا دعاوى المضحكين وساخرا ساحقا في الوقت نفسه، من أمثال هؤلاء الخرفين. احسب أن أروع وأجمل وأشْعَرَ شعر البستاني هي رثائياتها زملاءها وأصدقاءها من المبدعين .. عندما أقرأ قصيدة “بشروية” رثائية، اشعر كأني أعايش خلق الكون الذي بدأ بالموت والحياة متحدين … وإلا كيف بدأ بالانفجار! وأعجب لهذه الكتلة النترونية لانهائية الكثافة من الحب والألم، من النشوة والموت، من الأمل والأسى … ومن الحياة والنحيب التي تسكن في قلب قلب هذه الشاعرة … الشاعرة … الشاعرة. وأحس تجاه المرثى بحب يتماهـى مع ذاتـه … دون أن أتمنى أن أكون إياه/هو … وذلك لسببين ، الأول : إنني لا أريد أن أكون ميتا … والأول الآخر : أنني لا أريد أن أكون أي آخر …. لكن مع ذلك اشعر أني اغبط المرثى بسعادة … شاعرا بأنه بعد مرثية بشرى قد قام، فعلا، بفعله البيولوجي الأخير العظيم : الموت ! ولأنني أخاف أن أبقى حيا عند موتى … فأنا بحاجة لرثاء بشرى كي أمارس آخر فعالياتي البيولوجية … الموت … امنحيني … يا سيدتي، وأنا زميل لك وصديق … واعرف من غير المبدعين امنحيني … يا سيدتي : الخلود والموت … وارثيني … عندها … وسأستعير كدأبي، المجتزء الأخير من المقطع الأخير من قصيدة “ليتل غدنغ” لـ ت.ا س. اليوت : “وكل الأشياء ستؤول للخير وكل الأشياء، على أنواعها، ستؤول للخير حين تنضم ألْسِنةُ اللهيب معاً في عقدة النار المقبّبَة والنار والوردة تتّحدان”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: