بشرى البستاني: عتاب ما قبل (ثلاثية الخروج).. بشار عبدالله

(1)

قبل خمس عشرة سنة جاءتني شقيقتي التي كانت طالبة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب تنقل لي بلهجة حزينة عتبا حملتها إياه د. بشرى البستاني بخصوص عمود صغير كنت نشرته في صحيفة محلية حمل عنوان ( العروض مقبرة الشعر). طبعا لم يكن العمود عمودا بالمعايير المعروفة عن العمود الصحفي فنيا. ربما كان نصف عمود أو ربعا. المهم أن د. بشرى عتبت، وأنا لم أفهم وقتها وجه العتب، لا سيما وأنني كنت كتبت ذلك (العمود؟) في فورة ثورة بدأناها- نحن الأدباء الشباب آنذاك- انتصارا للنص الشعري الحديث الذي من مقوماته عدم الاتكاء على تقنية موروثة، وكان العروض جزءا من تلك التقنيات فتهجمنا عليه لا انتهاكا له بل ثورة على عبّاده من (الشعراء؟) الذين لا يعترفون بالشعر خارج مفهوم الوزن والقافية والغرض الشعري.

(2)

 للدكتورة بشرى في نفسي آنذاك مكانة كبيرة فهي صديقة حقيقية لمثقفي عائلتي، ممن سبقوها في عالم الكتابة أو عاصروها أو الذين جاؤوا إلى الساحة بعدها، وكان زخم تلك المكانة يبث في نفسي نوعا غريبا من الحزن إزاء عتابها ذاك، الذي لم أدرك جوهره، أهو غيرة على التراث منها وحرص أم خوف عليّ من البعض الذي كان أمثالها يتخوفون علينا منهم ومن تفسيرات قد تتسع لتخرج عن أهدافها الفنية إلى أهداف خطيرة قد توردنا موارد الخطر؟!! قلت في نفسي إما أن أتناسى الأمر أو أهيء لنفسي معها جلسة منفردة لأشرح لها أوليات مهمة سبقت كتابتي ذلك العمود، ولكن هل يمكن لها وهي بين مسؤولياتها التدريسية ووضعها الخاص كونها امرأة في مدينة محافِظة أن تتيح لي وقتا مفتوحا لأقول لها كل ما حدث قبل ظهور العمود الذي أصاب شيئا في نفسها- وبالتالي كبّل شيئا في نفسي- فأرسلت ذلك العتب الحار. يقينا لم تسنح تلك الفرصة وبقي شيء مني معلّقا في همّ ذلك الصمت الذي كان يفترض أن يكون صرخة تعيد التوازن بيننا.

(3)

مرّ عقد ونصف وما تزال كفة ترجح في ميزان علاقتنا البعيدة وكفة تطيش، حتى وقعت عيناي في جريدة الزمان على ثلاثة نصوص أخيرة لها ( ثلاثية الخروج)هي على التوالي (ما روته دجلة للبحر)، ( غرائز الكون) و ( سحب الثقة من المسلمات)، الغريب في هذه النصوص التي كتبتها البستاني تباعا في أسابيع قليلة أن الأولى تعتمد نمط قصيدة التفعيلة، فيما خرج النصان الآخران المكتوبان مباشرة بعد ( ما روته دجلة …) خارج سياقات القصيدة الحرّة، خارج قصيدة النثر، وفي الوقت الذي تصدت في (غرائز الكون ) لعوالم صوفية تندمج بها أنثى وإنسانة وكاتبة وراوية من داخل النص، لتتماهى معها وتصير جوهر النص حيث يتلاشى الأنا وتنتصر صرخة الحقيقة، يأتي تمردها في ( سحب الثقة من المسلمات) على مستويين مضموني، إذ تعلن الاطاحة بالمسلمات والمسبقات النقلية، من أجل إعادة التفكّر في العالم بتلك النظرة البدئية التي استقبل بها آدم العالم قبل تواطؤ الرعاع على الدوال. وتمرد شكلي، فالنص لا يخرج عن تقنيات القصيدة الحرة التي كتبت على أساسه دواوينها التي عرفت بها شاعرة عراقية بحق فحسب، بل نجدها تخرج حتى عن الاسلوب الشعري المعتمد على المجاز إلى خليط من أساليب تصل حدّ العبارة العادية، ربما لتقول تعالوا نعيد النظر حتى في مسلمات الأشكال والانتاج البلاغي، وتعاريفنا للشعرية ومفاهيمها، تقول كل هذا في نص أعلنت منذ العنوان أنها به خرجت عن التاريخ.

(4)

الآن أدركت العلة. الآن أدركت لم أرسلت لي د. بشرى الرائعة عتبها الحار. لم يبق عندي سوى احتمال واحد هو الذي سينقذ كفتي معادلتنا من الطيش والرجحان. كانت د. بشرى تدرّس طلبتها في ذلك الوقت مادة العروض الشعري، وهذا ما لم أنتبه إليه. إذن سأفترض الآن أنها عتبت استغرابا لتهجمي ( المفترض) عليها شخصيا في وقت كانت هي نفسها- وما تزال وأنا أيضا معها- جزءا من عائلة تربطها بنا معا أواصر مودة وتقدير واحترام، وهذا اعتقاد منها في محله، فمن منا لا يحب د. بشرى، ومن منا لا يقيم لها عرشا في نفسه مبنيا من تقدير وإكبار.

(5)

 عزيزتي د. بشرى الشاعرة.. الإنسانة.. الأكاديمية، اليوم أكتب بحقك هذه الكلمات، بعد أن اعتدلت الموازين كلها، وانتهز الفرصة لأدفن عبّاد الوزن، لا العروض العظيم، في حضرتك وأنت تقفين متألقة خارج المسلمات، خارج التاريخ، تستنطقين غرائز الكون وتروين لها (ما روته دجلة للبحر).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: