تجربتي الإبداعية.. مقاومة دائمة وبحث عن جوهر الحياة

 

 حينما قرأت دريدا يقول: الكتابة إشارة لموت الكاتب، ووصيته الباقية إلى الغد تساءلت: أهي الكتابة إشارة لموت الكاتب أم أنه كان يشير الى الغياب الذي يعادل موت  التجربة بولادتها الإبداعية لكائن نصي تمخض عن صراع  متناقضين لا  يفضيان إلى زوال ، بل يحيل الجدل الحاد بينهما على مولود جديد هو الأثر، فهي إذن  إشارة  لفعل الحياة  في المبدع  وتحقق لكينونته وكشف عنها وهي رسالته إلى المستقبل وتساؤله الدائم وبحثه المستحيل:

من طرق الباب /في هذا الصحو الأخضر

أعطاني غصن الفل وغاب

* * *

من ألقى النار على الأعشاب

هبت عاصفة واحترق العناب

لكن الجريمة انتزعت الشعر من فردوسه أزمنة وأمكنة دون أن يعرف لماذا:

رتقا كانت هذي الأرض

لكن الأحزان / زرعتها قضبانا / أغلالا ، أسرار

بكت الأشجار

وظلت الأحلام تتكسر في زمن الخسائر حتى امسك الشعر بناصية الحقيقة فكانت الرؤية يقيناً كشف كل شيء، وكان عليه أن يبدأ رحلة الحلم من جديد هذه المرة وبأسلحة نبل جديدة يدافع بها عن كرامة روح الإنسان:

في شجر الرمان رأيت الأسوار تمد حبائلها / بين الأغصان ِ

رأيت الصبيان يرشون النار / على خيل الفرسان ِ

رأيت الرجل الأعمى / يخلع عيني سيدة القلبِ / رأيت امرأةً

تنزع حبل وريد حبيب الروح ِ/ رأيت الجبل الباذخ يبكي

والعاصفة الهوجاء تسرح شعر الليل

لكن الشعر الحقيقي لا يتعب، فهو إذ يعلن عن رفضه الكامل لسياسة العصر الذي ذبح براءة الإنسان يعلن في الوقت ذاته عن انتصاره الكامن وراء العذاب:

لا أريك الرضا / لا اريك الرضا

إن رمل الغضا مفعم بالنشيد / يستبد بأدغاله / ويراود ومضاً بعيد

* * *

ولدت تلك الصبية مفعمة بالحياة، مفتونة بكل ما هو جميل وحركي عارم. كانت تحفظ القرآن من تلاوة والدتها نهاراً وتحفظ الأدعية من أوراد والدها ليلاً، وتحفظ الأغاني التي يبثها المذياع أغنية أغنية،. في الرابعة من العمر إلى روضة الأطفال، في الخامسة إلى المدرسة وفي عائلة تعشق العلم والدين والتراث احتضنت طفلتها الواثبة برعاية لافتة بعد موت أربعة أطفال من الأشقاء قبلها.

هل كانت لحظة الشعر هي اللحظة المهمة في حياة تلك الصبية ؟ أبدا فقد سبقتها لحظة حاسمة انعطفت بوعيها وحياتها معاً لتحولها كلياً من الاعتيادي إلى غير الغريب المثير ومن المألوف إلى الدهشة ، تلك هي لحظة فك السر، سر الكلمة قراءة وكتابة.. وليس من الغريب  أن ظلت مفردة (دار دور) بيتاً ووطناً اعز ما في قلب الصبية من حقيقة أو مجاز، وظل القلق يصحب هذه المفردة إبداعيا وحياتيا ويهددها بالشعر مرة وبالشعرية أخرى وبالحروب والحصار مرات.

ومنذ (دار دور) وأنا أعدو وراء القراءة والكتابة بشغف يحرقني ظمأ فادح لمعرفة المزيد معفوة من العمل المنزلي، فقد كانت ملازمتي الكتب تسعد أمي التي عشقت تفوق أبنائها،وانفتح أمامي عالم الكلمة السحري، كان جمال الاداء يغريني وكانت الدلالة  بفضاءاتها الكامنة وراء الجمل تتحداني ، وقبلت التحدي وأحس والداي بذلك. وبدأت الرحلة حينما صارت هدايا الأعياد والنجاح وكل المناسبات كتباً ودواوين شعر ومجلات. في المرحلة الابتدائية هيأ لي والدي من  يدرسني القرآن الكريم والحديث كل صيف ومعهما قرأت سلسلة الصحابة وقادة الفتوحات، حينما أنهيت الابتدائية جاءني والدي بكتاب من مجلدين عنوانه (المنتخب من أدب العرب) اختيار وجمع الدكتور طه حسين وآخرين وجاءني مع المجلدين بالمنجد لأبحث فيه عما يستعصي عليّ من معان. وانهمكت بقراءة النصوص الشعرية وحفظها، قرأت نماذج من الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي استوقفتني تجربة العذريين والهذليين. في المرحلة الثانوية توقفت عند الشعر الحديث ولاسيما نازك الملائكة وفدوى طوقان والسياب وبحكم حضور أصدقائي من شباب الأسرة حولي اطلعت على الأدب العالمي مترجماً وقرأت ملحمة كلكامش التي أدهشتني وكنت وما أزال مع من يعتقد ان هذه الملحمة كتبت بعواطف أنثوية لتدفق المشاعر فيها وصدقها وحميمية أسئلتها الإنسانية.

في الثانوية نشرت لي صحيفة (فتى العراق) عدة مقالات مع قصيدتين وأرسل لي رئيس تحريرها الأستاذ أحمد سامي الجلبي بريداً إلى مدرستي يشجعني على المواصلة، في المرحلة الإعدادية اختارتني الإدارة رئيسةً لتحرير مجلة المدرسة وعنوانها (القدس) وفي الجامعة كنت أمينة سر مجلة الكلية وعنوانها (المربي) التي اهتمت بنشر إبداع الطلبة وكان مسؤولها المشرف أستاذي الدكتور علي عباس علوان، في الجامعة اتسعت دائرة القراءات وتنوعت تراثاًً وشعراً وقصةً وروايات عربية وعالمية ومسرحا وفلسفة ونقدا وقصائد نثر ومعارف شتى.

دراستي العليا في الماجستير والدكتوراه أحدثت تحولاً مهما في حياتي الإبداعية ليس لان القراءة صارت معمقة وتخصصية وأكثر مسؤولية، لكن لان القراءة والحوار صارا يفضيان إلى المزيد من الأسئلة الإشكالية في الحقول المعرفية كافة ولاسيما الوجودية والفلسفية والمناهج النقدية والقفزات النوعية في الفنون وطرق تشكلها وتداخل أجناسها وتنوع فضاءاتها، فهل أخذت الاكاديمية من الشعر أم أعطته.

هذا سؤال تقليدي لكن الجواب عنه لا يخلو من أهمية فالعمل الأكاديمي عمل يحتاج إلى كد ذهني وتواصل مع الجديد، يطالبك بالمتابعة والقراءة والاطلاع على المصادر الجديدة والإشراف على بحوث الطلبة ، يطلب منك إعداد بحوثك الخاصة ، وتقويم بحوث التدريسيين في الكليات والجامعات الأخرى وحضور الفعاليات العلمية فضلا عن التدريس الذي لابد منه لتغطية نصابك، كل ذلك يحتاج إلى أقصى الفعالية الذهنية. إن عملك في الأكاديمية يبدأ في بيتك ولا ينتهي ويستغرق زمنك الخاص الذي كان مخصصاً للشعر والأدب، للقراءة الهادئة والتأمل والكتابة، ولذلك تأجل مشروعي الشعري يوم انهمكت بالعمل الجامعي ولم يصدر لي ديوان من عام 1988 حتى عام 2000.

نعم أخذت الأكاديمية من الشعر كثيراً لكنها أعطته الكثير كذلك فالانغمار في دراسة الشعر والشعرية جوهراً وقيمة وأدوات تحويل ، والانهماك داخل الدرس النقدي بحثاً عن علاقات جديدة بين دوال اللغة الشعرية وطرائق أدائها المغايرة  والانتقال بالتشكيل من تقليدية الروابط إلى إشكالية العلاقات الكاشفة عن روابط جديدة تطور اللغة وتحرك فاعليتها فنيا بيد المبدع من جهة ، وتطور عملية التشكيل الجمالي لدى المتلقي من جهة أخرى أمر يحتاج إلى دراسة كما يحتاج إلى إعادة نظر في عملية الفهم والتأويل، فالانتقال بالعلاقات اللغوية من الحالة المحايدة أو البادية الانسجام في الفهم السائد إلى حالة جديدة من الاستفزاز والتحريض على المثابرة في عملية التلقي أمرا لابد له من تحويل اللغة الشعرية من حالة إلى أخرى وهذه الحالة ترقى بعملية ترميزها وتشكيلها معاً مما يجعلها عرضة للحيوية العارمة والمفعمة بالحركية والانفتاح وتشظيات المعنى فتكون بذلك أحوج إلى التأويل، ان علاقة الرمز بالتأويل حسب ريكور علاقة وشيجة لأنها هي التي تحدد التنوع والوحدة وهي التي ترسم علاقة الذات بالآخر وعلاقة الكائن بالوجود، لأن الرمز عنده يحمل إمكانية المزاوجة بين تأويلات عدة وهذا ما أنجزته القصيدة الحديثة فتداخل الرموز في هذه القصيدة لا يحمل معنى واحداً بل سمته هنا انه حقلٌ واسع الأبعاد لإنتاج المعنى وبث الدلالات، فضلاً عن كونه لحظة فلسفية وإنسانية تبدأ من اللغة التي تحمل مهمة التجلي بالمعنى حينما يتبين المعنى كلاماً.

 * * *

لم يلتفت احد من الباحثين والنقاد باهتمام إلى شعر المرأة العربية في عقود القرن العشرين ولاسيما في النصف الثاني منه لأنهم عدوه نفحات رومانسية سابحة في الفضاء ولم تشر حتى الشواعر أنفسهن – وأنا واحدة منهن  – إلى أن المرأة الشاعرة لم تكن تهوّم في الأجواء بل كانت تعبر عن أنين روحها وسط جدران عالية من العزلة والتغييب والقسر والتصميت، عبر موروث هائل من التخلف، وان المرأة الغربية يوم كانت تجتاح الأوساط الثقافية والسياسية والمحافل العامة بتنظيرات النقد النسوي العادلة منها والمتطرفة او الغريبة والشاذة كانت المبدعة العربية تقول أرقى ما في تلك التنظيرات وأهمها شعراً وقصة ولوحة تشكيلية، وأنها من خلال إبداعها كانت تلفت الانتباه الى خطر يهدد وطنها ومجتمعها ومشاريع التنمية فيه وبرامجه الإنسانية ، ذلك الخطر هو استمرار اوضاع التخلف الهادفة إلى حجب طاقة المرأة عن الإفصاح عن كينونتها وعدم تمكينها من بناء ذاتها على أسس سليمة كي تشارك فيعملية البناء وفي صنع القرار مشاركة حقيقية. كان مشروع التحرر في وعيي يتمركز حول مفهوم مفاده آن الإنسان اذا كان هو فعله ، فان الحرية هي الإرادة الحرة التي تخلق فعلا حراً لا تكبله تبعية القيد الخارجي، وبالتالي فأن المقاومة الدائمة هي الطريق الأمثل لمواصلة هذا المشروع، وهكذا كانت المقاومة في كل اتجاه هي الخلاص الوحيد الذي آمنت بجدواه دوماً، المقاومة الرصينة بأسلحتها الجادة علماً وعملاً واقتحاما للتحديات واستمرارية في بناء الذات ومؤازرة الآخر في بناء ذاته، وهي مقاومة متحركة لا تستقر عند هدف معين بل تتحول من انجاز الى آخر، وكان لها ما أرادت.ان المرأة لكي يُعترف بحضورها إبداعيا او علميا او عمليا (وفي كل ارجاء العالم باختلاف النسب فقط) تحتاج الى طاقة هائلة وشجاعة فائقة وقدرة على التوازن والتضحية في أجواء تهيمن عليها كارثتان شاملتان:

         ثقافة ذكورية راسخة، وتسليع شنيع لإنسانيتها:

الرجال يحكمون العالم / فليس لامرأة مثلي أن  تتكلم

* * *

قالت أمي: اقفلوا الأبواب فذلك ادعى للراحة

وقال أخي: كسروا النوافذ / فذلك اجلب للحزن

* * *

من قال لكم ادعوا الإطفاء / يعجبني أن أحترق هكذا

* * *

قالوا لي ان ظهرك لا يحتمل ضربة غصن ….

 ولذلك رجموني بالحجارة ..!!

والدي أحب بجنون أمي

 ولذلك تركها وتزوج امرأة قبيحة..!

* * *

صدرت أول مجموعة لي ببيروت عام 1973 عن دار النهضة بعنوان (ما بعد الحزن) وفي عام 1975 صدر ديواني الثاني عن وزارة الثقافة ببغداد موسوماً بـ(الأغنية والسكين) وفي عام 1977 أصدرت لي جامعة الموصل المجموعة الثالثة بعنوان (انا والأسوار) وهي مجموعة من قصائد النثر حيث لم تكن قصيدة النثر واسعة الانتشار ذلك الحين ، وفي بغداد صدرت لي المجموعة الرابعة بعنوان (زهر الحدائق) عام 1984 وعن دار الشؤون الثقافية ببغداد صدرت مجموعة (اقبل كف العراق) عام 1988 وعن الدار نفسها صدرت مجموعة( البحر يصطاد الضفاف) عام2000  ومجموعة (ما تركته الريح) في دمشق في العام نفسه وفي عام 2002 صدر ديوان( مكابدات الشجر) في بغداد .

كتبت إلى جانب الشعر(وقصيدة التفعيلة مرتكزة ) قصيدة النثر والنص الطويل الذي شكل مجموعة كاملة والخاطرة الأدبية والنقدية والقصة القصيرة التي شكلت مجموعة بعنوان (هواتف الليل) وكتبت أناشيد الأطفال منذ عام 1977وقد نشر معظمها في مجلات الأطفال وما زال هذا الفن يلح عليّ حتى اليوم فقد كتبت مجموعة لم تنشر بداية عام 2004 بعنوان (نخلة العراق) لإيماني بأهمية الأدب الذي يكتب للأطفال والذي لم يأخذ حقه في العراق.

كنت خلال هذه الرحلة أتنقل بين الكتابة الإبداعية والكتابة الأكاديمية فقد كتبت بحوثاً في نقد الشعر والقصة والرواية، كما تناولت في دراساتي مقاربات لسور من القرآن الكريم ضمن تحليل النص القرآني: سورة القمر ، سورة الدهر، الخطاب الأنثوي في سورة يوسف، لكن الشعر كان مرتكز التجربة كلها، به أذهب الى البحث العلمي ، به اذهب إلى الأكاديمية وبه أواصل الحياة.

* * *

أتأمل باستمرار ظروف كتابة القصيدة والدوافع المحركة لكتابتها وأتمنى لو توفر لي من الوقت ما يكفي للكتابة عن هذه التجربة المثيرة التي تقترب من الغرابة أحيانا فالمحرك دوماً هو إشارة من الواقع أو الذاكرة أو القراءة أو الذهن لكن المدهش ان النص المكتوب قد يَمتّ أو لا يَمتّ إلى هذه الإشارة بصلة أو هكذا نتصور أول وهلة. استوقفني هذا الأمر يوم صدر ديواني (البحر يصطاد الضفاف) واتصلت بي صديقة شاعرة من الجزائر متسائلة عن ظروف أو سر قصيدة( البستان) التي أثارتها وعاودتني رياح تلك الليلة وهي تهز شجر حديقة واسعة حول بيت بعمان تركه أقرباء لي وحدي وسافروا، فجر تلك الليلة كتبت القصيدة وقبل أشهر تناولتها واحدة من طالباتي في دراسة تأويلية والتقطت منها التقاطات ذكية:

 

أشجار البستان / تعدو نحوي في الليل / ترعبني / تتلون ألوانا ألوان

فعجوزا شمطاء مره / أو جنية بئر مسحور / أو همجيا مسعور/يدهمني

يقبض جيدي ويدور/او بركانا تمتد سواعده نحوي/تغلق نافذتي/تقذف فوق سريري النار/اشجار البستان/احيانا تدخل في الليل بحلتها الخضراء/غرفة نومي وتُظل سريري بالثمر الريانْ…

مؤوِِِلة البستان بالحياة والشجر بالسنين التي تأتي مراراً بما هو مرعب وأحيانا قليلةً بما هو أليف.

كتبت النص الطويل الذي يشكل ديواناً كاملاً، نصاً مفتوحاً تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والوقائع. (كتاب العذاب)هو رحلة في عذاب الإنسان المعاصر ووجده وأسئلته الملتاعة ومعارفه المهددة بالدمار والخراب والاندثار بأسلحة الطغيان ، وكتبت مجموعة أخرى من نص طويل كذلك بعنوان(كتاب الوجد )يلخص الحب الذي هو حالة افتقار إلى خلاص وشعور عارم بالفقدان، وأشواق مشتعلة تبحث عن تواصل يعيد إلى الروح انسجامها، في مجموعة (الحب 2003) ظل الحب يقاوم هجمة المحتل الشرسة بكل أسلحته المتاحة، أسلحته الشريفة والنبيلة التي تلخص رفضه الحاسم لمعاول هدم الجمال والانسجام وتخريب حضارة الإنسان حاملة جهده وعرقه وضوء عينيه وتاريخه وهي أشواقه العارمة التي خلدت حبه وصدقه وهي إصراره على الدفاع عن كرامة روحه وكرامة البشر على هذه الأرض.

كتبت مجموعة (غرائز الكون) من نص واحد يلخص إشكالية العلاقة بين المتناقضات في ظل الحروب والصراعات حيث لا تتحاور الأشياء مختلفة مؤتلفة بل تتناقض وتتصارع في سعي مجنون نحو الإزاحة بالصواريخ والقنابل والنيران، إنها غرائز هذا الكون العجيب الذي نحاول سدى أنسنة ما فيه من شراسة بنبض محبتنا وفنوننا معا ، كما اقترب النص من التباسات العلاقة المعاصرة بين الرجل والمرأة طارحا موقفه بالأسئلة وحدها ..

في مجموعة( مئة رسالة حب ونيف ) طرحت المقاطع المركزة تجارب إنسانية متنوعة تلخص محنة الإنسان المعاصر بحبه وحروبه وقوته وضعفه.

قامت هذه النصوص على نوع من السرد إذ صار الوجع اكبر من الومضة السريعة وصار ما يجري لا تستوعبه ضربة شعرية وإنما يحتاج إلى البوح، النص الطويل بوح يتناسل، يتوالد، يطلع بعضه من بعض كما تطلع و تتكاثر جروح الإنسان والأوطان، ويشتعل بالوجد كما تشتعل جذور الأرض بغدر الصواريخ وعنف الشظايا.إن هذه المجموعات الخمس مع ديوانين من شعر التفعيلة هما( أندلسيات لجروح العراق )و(مواجع باء  عين ) مع مجموعة ( الحب 2003 )  ، مع بحوثي المكدسة في الأدراج كلها جاهزة للنشر لكن ظروف العراق تؤرقني وتمنعني من التفكير بما سواه .

* * *

(مخاطبات حواء) قصيدة طويلة تشكل ديوانا لعبت على اقتدار الانوثة وجمالها وعطائها وإشعاعها وليس على تمركزها أبدا فموقفي الحياتي مفتوح على التواصل والحوار والمؤازرة لا يؤمن بالتطرف ولا القطيعة والإزاحة ولا يقر بتمركز الجنس الواحد ويرى التصادم بين الجنسين نوعا من الجهل بطبيعة الخلق والحياة ذاتها ففي أصل الحياة ثنائيات أساسية في طليعتها المرأة والرجل وحينما امتلكت الذات الشاعرة وعيها وسر المعرفة بما ومن حولها واشتد عودها بعد معاناة ، لم تعد بحاجة إلى أقوال الأخر لأنها اليوم قادرة على أن تقوّله ما تشاء فتدوين الخطاب وتفسيره دوماً بيد من يمتلك السلطة حسب مفهوم العصر، في هذه المرحلة كتبت (المخاطبات) من خلال النظر إلى أن الأنوثة بحركيتها وخصبها وقدرتها على التواصل وتنوع الأدوار وثراء التجربة هي رواء الكون وبهاؤه وجلاله ولعل هذه النظرة صوفية آتية من فكر كبار المتصوفة المسلمين وعلى رأسهم ابن عربي، لكن النص كان يعي أهمية إدراك الرجل هذه الحقيقة وأهمية الإقرار بها:

وقلت .. يا امرأةً سكونها لهبْ / وصبرها عطبْ / وليلها وصبْ

شوقها قائمْ / ووجدها دائم / وجرحها غارمْ /

 اجتاحي بالطوفان سكينتي

* * *

وقلتَ لي: إذ يجفوني وجهك ِ / تذبل فناجين القهوة ِ/ وتنكفئ الدلالْ

يا سيدةً تصل النور بالنبع / والوجد بالوجع / والغربة بالتمني

أتسمحين بالموت على ضفافكْ / يا امرأة ًعتبها ولع / وصمتها جزع

ودعوتها امتثالٌ … صليني.

* * *

وقلت لي: دعي روحي مذعورة ً في الصحارى

 علها تجد قمراً يليق بشرفتكِ الباذخةْ ..

* * *

وقلت علميني صنع قرار آخرْ

 كذلك الذي اقتحمت به الأرضَ

 مدججاً بحرائق الحرية وبركة السماءْ…

* * *

كان للحرب حضور موجع في كل ما كتبت ، فالحرب تعمل بالضد مع كل ما أؤمن به في الحياة من حب و تواصل وبناء وحلم وتفاؤل، إنها الفقدان والقطيعة والهدم وقتل الإنسان الذي هو بنيان الله وتشريده وزرع العذاب في صميم أحلامه. ولم يكن حضورا لوجع في نصوصي حضورا رثائيا بكاء على ما يحدث لان النص الذي أكتبه  موقن  دوما بقدرة الإنسان على التواصل مع الغد في أحلك جروحه وأفدح أساه ، بل كان وجع الإنسان المغدور في عقر داره والمعاقب ببراءته  والمذنب بحبه لوطنه واحدا وشعبه متماسكا وأنهاره جارية وغابات  نخيله فارعة شماء، فأنا لا أومن بخرافة الجغرافيا ولو أن قدسية حياة الانسان في وعيي وصون حريته وأمنه قضية تقف  في أرقى سلم الضرورات ، الا اني شديدة الالفة للارض التي احتضنت  ذاكرتي وحنين بوحي ، وضمت الى صدرها الحنون شجري وأشجاني ، واذ تتفجر الصواريخ لا أتعذب من أجل الانسان وحده بل أبكي وجع الارض كذلك التي ابتلعت كل تلك النيران بصبر وجلد…       

لقد ترجمت سبعة من الدواوين المنشورة إلى الانكليزية والفرنسية وترجمت مطولة الأندلسيات التي فضحت كوارث الاحتلال الى الانكليزية في كتاب صدر عن دار ميلن برس الأمريكية بعنوان ( أندلسيات لجروح العراق  / شعر معاصر من العراق )  وقدمت إلى مؤتمرات عالمية آخرها مؤتمر الشعر وإدانة الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية .

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: