تحولات الناقة.. د. فاتن غانم

تحولات الناقة

 بين المرجعية القديمة والنص المعاصر 

 قراءة ثقافية لناقة بشرى البستاني

مدخل : الدراسات الثقافية ، شانها شان غيرها من قضايا الفكر و المعرفة ليست جديدة ، و لعل سماتها عبر التخصصية و طغيان الصبغة التنظيرية عليها ، و تشظيها في حقول أو ثقافات متفرقة و الغموض الذي يعتري اهتماماتها و منهجها ، كل ذلك يقود المرء لان يلمح فيها اثر كل الاستراتيجيات التي أحرزتها الممارسات النقدية الأخرى مثل البنيوية ،و النقد النسوي ،و التحليل النفسي ، و دراسات الجنوسة ( الذكورة و الأنوثة )، وغيرها من الموضوعات ، كل ذلك وهب فضاءاتها نوعا من الشمولية حتى لتكاد تكون ظاهرة كرنفالية اذ تستمد و جودها من غيرها و تتشكل في حقل خاص من خلال هذا الاستمداد المستمر . و قد أُعطيتْ الدراسة الثقافية اليوم مساحة عريضة من الاهتمام ، بعد أن حظيت بشيوع واسع في التسعينات من القرن الماضي ، مع ان بعض أصولها تعود الى مدرسة فرانكفورت النقدية ، غير انها قد ابتدأت منذ عام 1964 كبداية رسمية ، حين تأسست مجموعة برمنغهام في انكلترا تحت مسمى مركز برمنغهام للدراسات الثقافية المعاصرة ” وقد مر المركز بتطورات و تحولات عديدة ، الى ان انتشرت عدوى الاهتمام النقدي الثقافي ، متصاحبة مع النظريات النقدية النصوصية و الألسنية و تحولات ما بعد البنيوية ، ليتشكل من كل ذلك تيارات نقدية متنوعة المبادئ و الاهتمامات . و يعود كل الفضل للدراسات الثقافية في الاهتمام بالمهمل و المهمش وذلك بتمجيدها للخطاب المعارض و الاحتفال بالهامشي في مواجهة ما اصطلح على وصفه بالراقي ، و توجهها نحو أنماط الهيمنة بالانتقاد والتحليل ، مما فتح أبوابا من البحث ذي الاتجاه الإنساني النقدي الجريء ، فتحولت بذلك وظيفة النقد من الوظيفة الجمالية التي تستأثر بتحليلات النصوص الأدبية ، إلى الوظيفة الثقافية ،التي تعنى بربط النصوص بسياقاتها الخارجية ، التاريخية و الاجتماعية و السياسية … الخ و بذلك كسرت الدراسة الثقافية مركزية النص ، ولم تعد تنظر إليه من خلال كونه شبكة من العلاقات الداخلية ، بل صارت تأخذ النص من حيث ما يتحقق فيه و ما يتكشف عنه من أنظمة ثقافية ، فالنص هنا وسيلة و أداة ، أو انه مادة خام يستخدم لاستكشاف أنماط معينة من مثل الأنظمة السردية ،والإشكاليات الايدولوجية و انساق التمثيل و كل ما يمكن تجريده من النص . لكن النص ليس هو الغاية القصوى للدراسات الثقافية و إنما غايتها المبدئية هي الأنظمة الذاتية في فعلها الاجتماعي في أي تموضع كان ، بما في ذلك تموضعها النصوصي و بناء على ما سبق سنقوم بتحليل قصيدة ” الناقة ” للشاعرة بشرى البستاني المكتوبة حسب ارشيف الشاعرة شتاء 1997 منطلقين من أصول النقد الثقافي في تحليلها : ( النص ) داخلة ٌ في سم خياط ْ… خارجة ٌ من سم خياط ْ … طالعة ٌ في أولى صفحات جرائدنا … تدهمنا في غرف النوم ، و في أدراج الكتْبِ ، و أدراج الأحزانْ… هذي الناقة ُ، من عصر ثمود ٍ للآن ْ… تتلوى خلق موائدنا ، ترغو في داخلنا ، تغرينا …. تغري سكاكين قبائلنا بالذبحْ .. تكشف لنا القراءة الاولى للنص عن قضيتين مهمتين ، تتمثل الأولى في القدرة على الاجتياح والتغلغل بالإغراء و الإغواء وإشاعة الفتنة ،وتتمثل الثانية بمعاناة الإنسان بشكل عام ، تلك المعاناة التي تستمد أبعادها من النتائج السلبية المنبثقة عن القضية الأولى ،و يتضافر المعطيان ليشكلا المحنة الإنسانية التي تشتد ضراوتها اليوم في وطن الشاعرة و زمنها بالذات . إن هذا النص من النصوص المكتوبة في عصر أحاطت به الأطماع و الأحقاد ، وهيمنت عليه الحروب وسطوة القوى الخارجية المعادية للأمة العربية ، فجاء محملا بأعباء الإنسان العربي عامة والعراقي بشكل خاص ، اذ عانى العراق في تلك الفترة وما يزال محنة استنزقت جميع طاقاته على الأصعدة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، متمثلة بحصار دام – الى ذلك الوقت – ما يقارب السبعة أعوام ، سُحقت فيها معالم إنسانية الإنسان . فجاء هذا النص برموزه و أسمائه و أفعاله و جمله و صيغه معبرا عن تلك المحنة و أبعادها القاسية . فالعنوان ( الناقة ) الذي كان يكتنز في الشعر الجاهلي بدلالات رمزية لا حصر لها كلها تشتغل في حقل الإيجاب من قوة وصبر وصلابة وإصرار وحماية وأمومة وقدرة على العبور ،نجده يتحول في القرآن الكريم إلى سؤال كبير أمتحن به الإنسان ولم يهتد لصميم الحكمة الكامنة وراءه ،فكان أن ذهب هو ضحية جهله مأخوذا بعذاب المحنة عبر رمزية الامتحان و الفتنة / الإغواء المستمدة من مرجعيات دينية و تاريخية تحيلنا على ناقة النبي صالح( ) . التي ورد ذكرها في القران الكريم في سور عديدة منها في قوله تعالى : 1- والى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (الأعراف / 73 ) 2-ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب ..” (هود / 64 ) . 3- هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ، فعقروها فأصبحوا نادمين ” ( الشعراء / 155 – 157 ) 4- انا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ” ( القمر / 27 ) 5- كذبت ثمود بطغواها ، اذ انبعث أشقاها ، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ” ( الشمس / 11 – 13 ) . و هذه الآيات في جميع السياقات التي وردت فيها تؤكد طرح الناقة في النص القر آني ابتلاء ومحنة ، و هي تحكي قرآنيا وتاريخيا قصة قوم صالح ( ثمود ) الذين طلبوا آية فاخرج لهم الله الناقة من الحجر الصلد وامتحنهم بها ،إذ أمرهم على لسان نبيهم ألا يمسوها بسوء ولا يضربوها و لا يشاركوها شرب الماء في الأوقات المخصصة لشربها ، غير انهم عتوا عن امر ربهم فانزل عذابه بهم . لقد تغلغلت رمزية العنوان الى دلالات النص مؤشرة ابعاد المحنة التي غدت متجذرة في أعماق النفس الإنسانية و قارة فيها .وعليه فان الناقة هنا جاءت رمز إغراء للوقوع في الخطيئة و ابتدأت الشاعرة القصيدة بتناص قراني آخر في السطرين الأول و الثاني بقولها : داخلة في سم خياط خارجة من سم خياط اذ جاء التناص هنا – تحويليا ، عمل على تحويل دلالة الناقة من صورتها وفعلها في النص ألقراني إلى فعل معاصر في النص الشعري حين باتت تتحول بأسطرة واضحة بين صفحات الجرائد وغرف النوم والكتب والأدراج فهي إذن ناقة جديدة مؤسطَرة تمتلك إمكانيات خارقة وسحرية من خلال قدرتها –وهي بتلك الضخامة – على اختراق ثقب الإبرة وهذا ما أكدته نظرية التناص كونه : ” تشربا و تحويلا لنصوص أخرى ” فالنص ألقراني يؤكد استحالة دخول الكافرين الجنة ، كاستحالة دخول الناقة في سم الخياط و ذلك بقوله تعالى “: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَم الخياط ” ( الأعراف / 40 ) بينما الناقة في النص الشعري تمتلك قدرة خارقة على الدخول و الخروج من هذا السم ، الأمر الذي يثير التساؤل والحيرة و الاستفزاز والدهشة عن مصدر تلك المقدرة الأسطورية الخارقة فالشاعرة – إذن – وظفت رمز الناقة للتعبير عن همها و حيرتها من قدرة العدو// المحنة على فرض سطوته و هيمنته علينا دون أي رادع يحد من إمكانيات هذه السطوة التي غدت تغتالنا و تحتل حياتنا مجتاحة أدق تفاصيلها و جزئياتها ،و التي نجدها في الرموز التي وظفتها الشاعرة بقولها : 1- طالعة في أولى صفحات جرائدنا ــــــــــــــــــــــ تقتحم حياتنا الأدبية و الثقافية بصورة عامة. 2- تدهمنا في غرف النوم ـــــ 3- و في أدراج الكتب ـــــــــ 4- وأدراج الأحزان 5-تتلوى خلف موائدنا 6- ترغو في داخلنا 7- تغرينا تغري سكاكين قبائلنا بالذبح و توظيف الشاعرة لضمير الجمع ( نا ) – الذي كثر وروده في القصيدة – فيه تأكيد على استشراء و تغلغل الفتنة – تلك – في نفوس الجماعة كلها / الأمة / العالم اجمع ، الأمر الذي أدى إلى التمزق والتفكك / قبائل متفرقة متناحرة ،و هذا ما دل عليه قولها : تغري سكاكين قبائلنا ــــ بالذبح ، بكل ما تشيعه كلمة الذبح من بشاعة و قسوة وموت . أما عن تخصيص الشاعرة للناقة بقولها ، هذي الناقة : ففيه إحالة على مرجعياتها الدينية – كما اشرنا في الآيات الكريمة و مرجعياتها التاريخية ، المتمثلة بقوم ثمود و قصتهم مع الناقة و قولها ” للان ” فيه اختزال لأزمات وأزمان عديدة للدلالة على استمرارية هذه الفتنة من الزمن الماضي إلى الحاضر و المستقبل المنظور كما دل على تلك الاستمرارية أيضا – توظيف الشاعرة المتقن للأسماء و الأفعال في القصيدة و رجحان نسبة الأفعال فيها على الأسماء مما أكد تلك الاستمرارية و ذلك في قولها : ( تدهمنا – ترغو – تغرينا – تغري ) . لان الفتنة المعاصرة صارت تلبس كل يوم لباسا جديدا و أن كانت المنطلقات واحدة . إن توظيف صيغ أسماء الفاعل جاء حاملا في طياته دلالة تلك الفاعلية المتواصلة مع الشر في قولها ( داخلة ، خارجة ، طالعة ) لما تثيره – هذه الأسماء – في تصورنا من قدرة على دوام الحركية التي اتسمت بها تلك الناقة و استمرارها ما بين الدخول و الخروج و الطلوع والتغلغل بخفاء و ما إلى ذلك من التصورات الأخرى .. و في اعتقادنا ان هذا النص المكتوب قبل أكثر من عشر سنوات جاء محملا برؤى حدسية استشرفت بها الذات الشاعرة التي خبرت في دواخلها الشفيفة أبعاد استمرار تلك الفتنة و نتائجها من خلال تأمل واقعها، فكتبت ما سيؤول اليه هذا الواقع المطرد من تدهور عام وشامل في الوطن العربي ، يؤكد حدسها ما جرى في العراق وما حل به بشكل خاص و هذا ما نجده في الوضع الراهن الذي وقعت فيه الفتنة وعمت المحنة حتى هيمنت دلالات هذه الناقة التي تحولت تحولا خطيرا من دلالة القوة و الصبروالصلادة والأمومة والحماية ، ومن كونها رمزا للتحول و العبور في الشعر العربي القديم إلى رمز جديد يفرز دلالات مغايرة و لعل ذلك تابع لمسيرة التغير الشامل الذي طرأ على منظومة القيم التي اتسمت الى حد كبير بالاستقرار والانسجام في الماضي ، بينما صاركل شيء اليوم متحولا متبدلا يصعب الوقوف على حدوده حتى يمكن لنا القول ان هذه الناقة المعاصرة غدت رمزا شخصيا للشاعرة اذ تمكنت من اقتلاعها من منبتها الأصلي في الشعر القديم وإعطائها دلالة مضادة في النص الجديد الذي استمد منطلقه الشعري من الموقف القرآني الذي كرس ناقة ثمود ابتلاء و فتنة لقوم النبي صالح بالرغم من كونها آية إعجاز ، و ما آلت بهم المحنة الى عذاب ومعاناة تنسجم وما آل اليه حال العراق والعراقيين من شيوع المرارة والاضطراب والدم . قائمة المصادر و المراجع 1- البحر يصطاد الضفاف ، بشرى البستاني ، دار الشؤون الثقافية العامة – افاق عربية ، بغداد ، ط1 – 2000 م . 2- دليل الناقد الادبي ، اضاءة لأكثر من خمسين تيارا و مصطلحا نقديا معاصرا ، د. ميجان الرويلي . و . د . سعد البازعي ، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء ، ط2 ، 200م. 3- عبد الله الغذامي و الممارسة النقدية و الثقافية ، أبحاث الحلقة النقاشية التي اقامها قطاع الثقافة و الفنون بوزارة الاعلام بمملكة البحرين ، حسين السماهجي ، و د. عبد الله ابراهيم ،و مؤلفون عرب آخرون ، المؤسسة العربية للطباعة و النشر ، ط1 ، 2003 م. 4- علم النص ، جوليا كريستيفا ترجمة فريد زاهي ، مراجعة عبد الجليل ناظم ، دار تويقال للنشر – الدار البيضاء – المغرب ،ط1، 1991 م . 5- مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن أ.د.حفناوي بعلي المنطلقات . المرجعيات ، المنهجيات ، الدرا العربية للعلوم ، منشورات الاختلاف ، بيروت – لبنان ،ط1 ، 1428 هـ -2007م .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: