تداعيات حول قصيدة ( العراق ) لبشرى البستاني.. د. عماد الدين خليل

في عام 2002م ، قبل عام من واقعة الاحتلال الأمريكي للعراق نشرت الشاعرة الدكتورة ( بشرى البستاني ) ديوانها : ( مكابدات الشجر ) . في الوقت نفسه أنجزتُ روايتي ( السيف و الكلمة ) عن الغزو المغولي لبغداد ، بعد سنوات متطاولة من المعاناة التي يعرفها الروائيون جيدا . كل ما قلته في الرواية تحقق بعد واقعة الاحتلال .. أصابتني الدهشة ، صحيح إن الشاعر والروائي ( و الرواية هي نقل شعري للعالم كما يؤكد غابرييل ماركيز ) يملكان القدرة على التنبؤ بدرجة أو أخرى .. و لكن ليس إلى حد التطابق في النبض و المعطيات . على أية حال ، تلك مسألة أخرى اتركها للقارئ و الناقد ، لكي أقف لحظات ، أو أمارس بعبارة أخرى مضاهاة ، أو تناصا سريعا ما بين الرواية و الديوان . بغداد كانت في الأولى .. و العراق على امتداده في الثانية .. و في الحالتين مورس نوع من ( الإشفاق ) .. نوع من التوجس و الخوف ، ينطوي في الضرورة على كل صنوف الفخر و الاعتزاز و الرغبة الجارفة في الإمساك بالشيء قبل أن يتفلّت من الأيدي و العيون . عروق الحزن تنبض في العملين .. ومع الحزن ، و بموازاته ، الوعد بالخلاص لان بغداد رجعت ، و سيرجع معها العراق .. ولكن ليس دون الأخذ بالأسباب . مكابدات بغداد مع القهر المغولي كانت ( السيف و الكلمة ) .. ومكابدات العراق قبيل الاحتلال الأمريكي كان ديوان ( بشرى ) مكابدات الشجر .. منذ الضربات الأولى لأول قصيدة في الديوان ، بل عنوانها : ( قصيدة العراق ) نتسلم المفتاح وندخل .. ليست الكلمات وحدها ، ولا الصور الشعرية وحدها ، و إنما ألألحان ( النوتات)التي اختارتها الشاعرة من بحور الشعر العربي متواشجة في القصيدة ، تتعاون جميعها في صياغة “التعبير ” القدير على نقل التجربة إلى الطرف الآخر، المتلقي : ” تلوب الطيور الجبال ، الجبال الجبال تؤرقني وتلف بأغصانها جرح روحي الجبال صبايا تجرّ ضفائرها الطائراتُ فاجمع عنها شظايا القنابل امسح وجنتها فتسيل الغيوم على مهلها فوق ورد الصباحْ … و مرة ثانية : ” الجبال تلوب … العراقُ العراقُ العراق ْ ” و ثالثة : ” و العراقُ الرؤى و المدى و الأمان العراقُ الأماني العراقُ حديقة ُ روحي .. عباءة أمي و ثوب العذارى اللواتي يمتن على السفح من ظمأ واغترابْ ” إذا جاز لنا تنزيل ثنائية ( هيغل ) في التقابل أو الجدل بين النقيضين ، خلنا أن نتلمسها ها هنا : التشبث بالأشياء العزيزة ، والخوف من تفلّتها .. ” فيا شجرا ًلا يهادنُ يا شجرا يستفز الرياح َ لماذا فتحت النوافذ َ ، والشمسُ داكنة ٌ والعيون قميئة.ْ..! …………. لماذا توضأت بالدم ِ بالأمنياتِ ودهرك أعجز من باقل ٍ ، و العدو يهدهد صبيانهُ و الرياح تسير بما يشتهي القتلة ْ.. أنت علمتني أن أموتَ كما ينبغي و ألبّي الحياةَ إذا انبلجت قنبلة ” فيما بعد .. ها هي ذي المفردات الدالة التي انسربت في شرايين القصيدة ، تصبح هم العراق اليومي في سلبه و إيجابه على السواء : ” العدو ” ” القتلة ” “القنبلة ” “ثم التوضؤ بالدم ” .. و من اجل ألا يأسرها المكان .. وهذه ثنائية أخرى .. تفرش الشاعرة رؤيتها ( البانورامية ) لكي تضع الوطن العربي كله في مدى النظر .. ليس بالصلابة الجغرافية ، و لكن بالمفاتيح التي تومئ و لا تتكشف .. المغرب العربي .. النيل .. مكة .. رمل الخليج .. جبل الشيخ .. و أبواب حيفا .. و لكنها دائما تعود إلى ” نقطة الارتكاز ” التي انطلقت منها ..”النغمة” التي تتشكل منها سدى القصيدة و لحمتها : العراق ، وجبال العراق ، وسرمل العراق ، وسعف العراق .. و التتر الذين يحدون شفراتهم لذبحه .. و يجد القارئ نفسه يمسك ببعض المفردات المنسربة في شرايين القصيدة .. إنها – و لا ريب – تعد بشئ .. التوضؤ .. الطريق الى مكة .. المنارات .. القباب .. الأصنام و الأزلام .. مفردات تومئ من بعيد .. ولا تباشر . فالمباشرة تطفئ الوهج .. و القصيدة أريد لها ، كما في كل قصيدة مبدعة ، أن تظل متوهجة .. مفردات تعكس أصالة الشاعرة ، ورؤيتها الإيمانية التي لا تدعها تنفصل عن خبرات أمتها .. ولا تتغرب .. لتنسلت منها هويتها .. إذا جاز لي أن ادخل على الخصوصيات ، رفضا لمبدأ النص المقفل و موت صاحبه .. فان لي أن أقول بان الشاعرة الحاجة بشرى – أطال الله في عمرها – ستمضي أبدا لتقديم المزيد عبر رؤية إيمانية كونية تنفسح على المدى .. تبدأ رحلتها من القريب المنظور و لكنها ما تلبث أن تتجاوز باتجاه الفضاء المفتوح ..السماء الكبيرة .. ” هذا و ذاك ” و ليس ” إما هذا أو ذاك ” .. شريطة ألا تكون قفزة غير مبررة من ” المحلي ” إلى ” العالمي ” أو ” الكوني ” . و علينا ، معشر الأدباء ، والشعراء ، أن نتلقى جميعا ” الشفرة ” التي كان ( روجيه غارودي ) قد أرسلها يوما في ( وعود الإسلام ) : ” إن مشكلة العالم المعاصر ، كونية ، و لابد للجواب إلا أن يكون كونيا ، و الإسلام هو هذا الجواب ” . أن مأساة العراق هي مأساة ” الخطأ” أو ” الخطيئة ” التي تمسك برقبة العالم في اللحظات الراهنة ، والخطاب الشعري الذي يبحث عن الجرح سيطوي جناحيه بالضرورة على العراق .. و العالم معا.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: