تمظهرات التكرار في شعر بشرى البستاني.. د. جاسم محمد جاسم

 – فاعلية اللازمة القبلية في قصيدة (مائدة الخمر تدور)-

 1.مدخل: لجأت قصيدة الحداثة العربية –وما تزال- إلى التفنن في بلورة ذاتها، وإيصال رسالتها باستحداث واستلهام وتوظيف متكآت أسلوبية متنوعة قد لا يكون التكرار آخرها( )، إلا أنها دأبتْ على استلهامه وعلى نحو لافت ، فقد حفل الخطاب الشعري الحديث بعامة ببنى تكرارية كان لها دور فاعل في الصعود بشعرية هذا الخطاب إلى مصاف الجمالي والتأثيري. ولعل مبدعي هذا الخطاب قد أدركوا عن ثاقب بصيرة خطورة الدور الفني لهذه التقنية، فدأبوا يشتغلون على استثمار إمكاناتها الجمالية لصالح أعمالهم، طارحين بذلك أمام البصيرة النقدية ظاهرة عصيّة على التصنيف والتقنين( ) ومغرية في الوقت ذاته بالتناول والدرس . 2.في التمظهرات : إن وقفة مع المنجز الشعري الثر لبشرى البستاني, تؤشر بجلاءٍ طفوح تجربتها الشعرية بالبنى التكرارية التي تؤسسُ لاختلافها ومغايرتها وطبيعتها بالآتي: ‌أ. إنّ التكرار في هذه التجربة يشي بحضور متنامٍٍ كماًً وكيفاًً إذا شئنا تتبع مفردات المنجز الشعري للشاعرة, ففي الوقت الذي حضر التكراربوصفه تقنية حضوراً خجولاً، وعرضياًً في مجاميعها الأولى بدءاً بديوان (ما بعد الحزن)( ) و(الأغنية والسكين)( ) نجد في ديوان (أنا والأسوار) وتحديداً في قصيدتي (الفارس)( ) و(العبور)( ) القائمتين بنائياً على تكرار بنية النداء, نجد بروز فنية التكرار ليلعب دوراً مركزياً على المستويين الإيقاعي والدلالي وهو دور ظلّ ينمو ويثرى حتى وصل الأوج في ديوان (مائدة الخمر تدور)( )، الذي يقوم فيه التكرار بدور البنية الإنسالية التي تلد مقاطع القصيدة. ‌ب. تلبُّس البنية التكرارية في هذه التجربة بلبوس (اللازمة القبلية) وهي نمط تكراري نقيض لللاِزمة البَعدية إذ “تعتمد اللازمة القبلية على ورودها في بداية القصيدة واستمرار تكرارها في بدايات مقاطعها بحيث تشكل مفتتحاً يلقي بظلاله الإيقاعية والدلالية على عالم القصيدة “( ) . ‌ج. حضور أكثر من لازمة تكرارية أحياناً في القصيدة الواحدة وهو ما يمكن وصفه بـ (التشجيرة التكرارية) كما في قصيدة (تسللات)( ) التي يمكن ترسيمها نظاماً تكرارياً على هذا النحو: المقطع1 (بهدوء يتسلل كل صباح) المقطع4 (بهدوء يتسلل نحوي) المقطع5 (بهدوء يتسلل نحوي) المقطع6 (بهدوء يتسلل نحوي) المقطع7 (بهدوء يتسلل نحوي) المقطع8 (بهدوء يتسلل نحوي) المقطع9 (بهدوء نتسلل في أرجاء الملكوت) وكذلك قصيدة (شجر الرمان)( ) القائمة على تكرار (في + متغير + الرمان) والتكرار الفرعي (رأيتُ). ‌د. إن اللازمة التكرارية في شعر الشاعرة لا تلتزم مبدأ الصرامة في التوزيع لا على مستوى الكم ولا على مستوى الكيف، فعلى مستوى الكم غالباً ما نقف على غياب هذه اللازمة عن مقطع أو مقطعين من القصيدة ليستأنف الحضور في المقاطع الأخرى كما في المثال السابق( ). وأما على مستوى الكيف فيمكن ملاحظة ثبوتية البنية التكرارية على المستوى الشكلي وحركيتها على المستوى الدلالي، بمعنى أن البنية التكرارية ثابتة من حيث التركيب النحوي، إلا أنها قد تستبدل دالاً بدال آخر أثناء التكرار بالاشتغال على المحور الاستبدالي دون المساس بالمحور التركيبي ويمكن التمثيل لذلك بهذه الترسيمة التكرارية لقصيدة (حول مائدة الأرض)( ) : إذ نلاحظ في هذا المثال أن تركيب (حول مائدة + مضاف إليه معرف بأل) هو الهيكل الشكلي الذي يقولب هذه اللازمة التكرارية، إلا أن اختيار دالة المضاف إليه على نحوٍ استبدالي في كل مقطع جديد، يبقى رهيناً بمقتضيات البوح الشعري ورؤيا القصيدة. وغير خافٍ أن اشتغال البنية التكرارية على هذا النحو يثري دلالات القصيدة من جهة تنوع الدوال المستبدلة، ويعطيها زخماً إيقاعياً متواصلاً ومتنامياً. ‌ه. امتداد تأثير اللازمة التكرارية إلى العنوان نفسه، إذ تقوم العنونة عند بشرى البستاني على استشارة البنية التكرارية الرئيسة، كأن تضطلع هذه البنية في وجه من وجوهها بدور العنوان مما يجعله عنواناً مقتطعاً من نصه( ). كما في قصيدة (الأغنية الجبلية)( ). وقصيدة (مائدة الخمر تدور)( ). أو أن يصاغ العنوان بأن يوظف دالة مركزية من دوال اللازمة التكرارية كما في قصيدة (شجر الرمان)( ) وقصيدة (تسللات)( ) وقصيدة (حول مائدة الأرض)( ) أو أن يحاكي العنوان مدلول البنية التكرارية دلالياً كما في قصيدة (قراءة في منظومة كي العراقية)( )التي تقوم على تكرار دالة (علّمْني) بوصفها متعلقاً من متعلقات القراءة الواردة في العنوان، وقصيدة (أندلسيات لجروح العراق)( ) التي يوحي عنوانها بحالة الاستلاب وضياع الوطن وهو ما تلح عليه دلالة اللازمة التكرارية (دبابات الحرب تدور) وتمظهراتها في القصيدة، وكذلك قصيدة (مخاطبات حواء)( ) التي يدلل عنوانها على إمكان خطابي تحاكيه اللازمة التكرارية (قُلت) في القصيدة. في حين أن عنوان قصيدة (أحزان الغضا)( ) ما هو إلا محاكاة دلالية وصوتية للازمة (لا أُريكَ الرِّضا) التي تستحوذ على البناء المقطعي للقصيدة من حيث أن ما خلفه الحبيب من الأحزان التي لا تنطفئ كانت نتيجته عذاب الساردة وامتناعها عن الرضا عنه، فضلاً عما في دالتي الغضا في العنوان والرضا في اللازمة التكرارية من طاقة جناسية تربط بينهما ربطاً صوتياً. إن ما ذُكر من نقاط فيما سبق وإن كان يصب في رصد وتكوين الملامح العامة لتقنية التكرار البشروي قصد الخروج بتصور أولي عن طبيعة هذا التكرار وتمظهراته وضوابط توظيفه نصياً في تجربة الشاعرة إلا أنه يمكن أن يكون في الوقت ذاته تبريراً منهجياً لاختيار قصيدة (مائدة الخمر تدور) نموذجاً تحليلياً يمكن النمذجة عليه لدى مقاربة موضوعة التكرار في شعرها، لرصد جماليات اشتغال اللازمة التكرارية فيه. فهي قصيدة بنى تكرارية بامتياز، تتجلى فيها شعرية اللازمة التكرارية وهي مؤشر هام فيما نحسب على مرحلة ناضجة من مراحل تطور توظيف تقنية التكرار إلى الحد الذي جعل هذه التقنية تحمل رسالة النص ورؤياه معا. 3_ في الأنموذج: 3_أ: توصيف عام بنيت قصيدة مائدة الخمر تدور المطولة نسبياً على 16 مقطعاً اعتماداً على ما يشي به الفاصل النجموي المزدوج (**) المذيِّل لكل مقطع، مؤشراً نهايته وبداية مقطع آخر متوَّج بلازمة تكرارية، وعلى نحو التزامي من بداية القصيدة إلى نهايتها، ويمكن ملاحظة أن اللازمة التكرارية التي تتوج مقاطع القصيدة الستة عشر تجمع في بنيتها بين ثبوت التركيبة النحوية وحركية الدلالة وهي حركية ناجمة عن تغيير دال مركزي في هذه التركيبة التي يوضحها المرتسم الآتي: وهذا يعني أن اللازمة التكرارية قد التزمت بثابتين يتوسطهما متغير، إلا أن هذا التغيير محكوم بثبوت نسبي كونه لابد وأن يكون مضافاً إليه معرفاً بأل، وهو متغير يلعب دوراً كبيراً في توجيه دلالة المقطع الذي يتوِّجُه، كونه المختلف بين الثوابت والذي على اساسه وانطلاقاً من مدلوله تتحدد دلالة المقطع لتسهم في بلورة الدلالة العامة للقصيدة، مع ملاحظة أن هذه المتغيرات لا تتجاوز السبعة عناصر موزعة على مقاطع القصيدة الستة عشر، وعلى نحوٍ يوضحه المرتسم الآتي: تضطلع اللوازم القبلية الموضحة في هذا المرتسم بناءً على موقعها وطبيعة توظيفها بمهمة الإطار الذي يهيئ لتلقي رؤيا المقطع الذي يأتي بعدها. إنها هنا بمثابة الـ (Back Round) في فن الرسم كونها الخلفية التي تشتغل على مساحتها دلالة الصورة المؤطرة المتمثلة بالمقطع. إنها فضاء أو ضابط مشهدي يهيئ لانثيالات المقطع، طارحاً للمتلقي ومضة رؤيوية عما سيبوح به المقطع الذي تُتوِّجه اللازمة اعتماداً على دلالة الثوابت (مائدة/ تدور) إلا أن المتغير المتمثل بمفردات (الخمر/ الحرب / المسك / الصبر .. الخ) يلعب دوراً مركزياً أكبر في توجيه دلالة المقطع. وإذا كان العنوان بفلسفته العامة يشكل منطلقاً تأويلياً خصباً لدى مقاربة متنه فمن الأجدى الابتداء به هنا كونه المكثف الدلالي للنص من جهة، وهو ذاته صورة من صور البنى التكرارية الواسمة للقصيدة، إذ يرِد العنوان حرفياً في القصيدة بوصفه بنية تكرارية تتوج أربعة مقاطع، وفي هذا إشارة واضحة إلى ضغط رؤياه على الشاعرة وتأثير هذا الضغط في بناء القصيدة. 3_ب :مركزية الخمر في العنوان والبنى التكرارية. يشدد العنوان وأربع بنى تكرارية على مركزية دالة الخمر في تراكيبهما، ولدى الحفر في اشتغالات هذه الدالة في الخطابين الثقافي والاجتماعي الموروثين نجد أنها قد توزعت على حضورات ثلاث موضحة في هذا المرتسم: الخمر لقد أسس للحضور الحسي لدالة الخمر حظٌّ غير يسير من أدب ماقبل الاسلام ،وتتوّج ذلك الحضور بخمريات الادب العباسي على يد ابن الهندي و أبي نواس وغيرهما( )،في حين أسست للحضور التحريمي تعاليم الدين الاسلامي الحنيف،فأحاطته ب(تابو كبائري)يتوعد متعاطيه بالعذاب،وأما الحضور الترميزي فقد أسس له أدب المتصوفة الذي تجاوز دلالتها الحسية إلى دلالتها الروحية رائياً في السكر_ لافي الخمرة نفسها_ مطلباً روحيا،بمعنى أن الصوفية مجّدت فعل الخمر لاماهيتها،فأصبح السكر بحب الذات الإلهية غاية سامية يتوخاها الصوفي ،ويستلذ بها حتى اكتظ هذا الشعر بمفردات (الخمر،والسكر،والكأس…ألخ)،ذلك أن”التصوف الاسلامي لم يستطع التعبير عن تجربته شعريا إلا حين استعار رموزه من أشياء الواقع وظواهره”( ). وأما الدالان الثابتان عنوانا ولوازمَ تكرارية وهما(مائدة) و(تدور) ، فإن الحفر المعرفي لاستبطانهما يشير الى ان الدالة (مائدة) وان استدعت ثقافيا مائدة بني اسرائيل المشار اليها في القرآن الكريم( ) الا انها تشي سياقيا بدلالة كونها اسم فاعل لمؤنث من الفعل ( ماد) الذي جذره (مَيَدَ) والذي يوضحه المعجم الوسيط بالقول “ماد الشيء يميدُ ميداً وميَداناً : تحرك واضطرب ، ومادَ اصابه غثيان ودوار من سُكْرٍ او ركوب بحر”( ) ومنه قوله تعالى “والقى في الارض رواسي أن تميد بكم”( ) خاصة وان المَيَد يتوافق دلاليا في التركيبة (مائدة الخمر تدور) مع دالتي الخمر والدوران من حيث ان الدوران والمَيَدْ يرتبطان بالخمر ارتباط نتيجتين بسبب، فضلاعن ان الدوران والمَيَدْ كلاهما طقس صوفي يُمارَس للوصول الى حالة الجذب ،لذا أمكن ملاحظة ان اشتغال الشاعرة على المحور الاستبدالي في اللوازم التكرارية ومتغيراتها قد استبدل دالة الخمر بدوال من قرائنها صوفياً كالوجد والصبر والمسك (ختم خمر الاخرة)( ) والموت الذي هو مطلب صوفي يرى في فناء الجوارح سمواً للروح في حضرة المحبوب. 3_ج : المتغيرات ودلالات البناء التقابلي: لدى النظر في طبيعة البنى التكرارية في القصيدة ومتابعة متغيراتها (أي دوالها المشغولة على المحور الاستبدالي) يمكن الخلوص إلى هيكلتها بثلاث بنى كما يأتي: ذوقي (مائدة الخمر تدور) × 5( بضمنها العنوان) 1.بنية المحسوس شمي (مائدة المسك تدور) × 1 (مائدة الحب تدور) × 2 2.بنية العاطفي (مائدة الوجد تدور) ×2 (مائدة الصبر تدور) × 3 3.بنية الاستلابي (مائدة الحرب تدور) × 3 يشير هذا التوصيف الإحصائي لمستبدلات اللازمة القبلية في القصيدة إلى: 1.غلبة حضور المحسوس الذوقي (خمر) على بنية اللازمة التكرارية لما له من طاقة ترميزية عالية يؤسس لها المتراكم الشعري الصوفي خاصة كما تبيَّن. وهذه الغلبة ومن ثم التركيز عليها عنواناً يجعلها بؤرة لامّة للمحتوى الدلالي للقصيدة برمتها،فالمنظومة الرمزية للقصيدة ككل،واشتغالها الدلائلي ينطلقان من رؤيا حُلمية تضيق بالأرضي ،وتنشد كلّ ماهو سماوي سامٍ حنون،يحتوي الانسان ويعيد اليه براءته الاولى،نقرأ: والارض رهان الليل على قنديل/وتراب الارض مكاحل عينيّ/وعطري/الارض شجى/وتراتيل/والارض ذراعاي المرفوعان لصوت الرعد/وحمى المطر الأخضر/مأدبةٌ هذي الأرض/وصيد موعود”( ) ونقرأ ما يشي باستحضار اليد البيضاء لكليم الله موسى (عليه السلام) التي يكني عنها النص بوميض الكف: “بالنسمة كنت ادفئ قلبك/ تشهق كفي بين يديك / اكفي كانت تومض/ ام حبة رمان تسرق دفء القمر”( ). إلا أن المحسوس الشمي(المِسك) يتراجع على مستوى الحضور في اللازمة، سواء على مستوى الخمر، ام على مستوى ما تدلي به القصيدة برمتها ، لان المسكَ متضمن فيها ، فكأن الخمر هنا تنوب عنه،كونه من لوازمها كما يشير قوله تعالى في وصف خمر الآخرة (رحيق مختوم ختامه مسك)( ) وهذا لايعني تغييب دالة المسك عن اللازمة على المستوى الدلالي؛ قدرما يعني تعزيزاً للحضور الطاغي لدالة الخمر في التركيبة العنوانية ، لذا فقد نقف على حضور الخمر لفظا في المقطع المتوج ب(مائدة المسك تدور) : “هديل الحلم يناول كأسك خمر الناي/الصب على عزف سنابل قلبي”( ) مع ملاحظة ان النص يجيّر دلالة المسك للّوني على حساب الشمّي بجعله ليل خلاص مستفيدا من إمكان كمونهما فيه، وهي استفادة تجري في سياق الاحالة الى نص قرآني( ) تقول القصيدة: ” خذني قبل ولوج الخيط الابيض في المسك/ كي يشهد ذاك الليل../ خلاصي..”( ) 2_ رؤية قد تبدو موازنة بين بنيتي الحب والوجد ظاهرا (2×2) الا ان البناء النصي طبقا لما تدلي به المقاطع يخلخل هذا التوازن لصالح بنية الوجد من حيث ان المحمول الدلالي للصور المقطعية يتحمس لصالحها على حساب تحمسه لصالح بنية الحب ، ففي الوقت الذي يأتي فيه الحب في سياق مشوب بالالم ومؤشرا بداية ولادة ؛ نجد ان الوجد بنية فرحية وولادة مكتملة ، يقول المقطع بعد (مائدة الحب تدور) : “افتحُ صدري لذراعيّ نجم مخفور/ أصطاد خرافة ليل اخرس/ أهوي بذرة حب في الوديان”( ) ونقرأ كذلك: “انقاض الليل تفوح بنبض البرق/ بتوق النرجس يجفل في دغل الروح/ مخاض الليل يبوح/عباءة غيمته ترقب نورا/ يطلع من كفينا”( ). في حين ان الوجد يحيل الذات الحاكية على انفتاح بالحبيب الى افق ارحب لا يعترف بالمسافات : ” فأقرأ كفي كي تمتد خيوط العرض/ تصير لها اجنحة فتفر البلدان/نحو خرائط تتشكل نملا/ نحلا /غيما /وقوافل ماء تحرسه الاجراس”( ) ويقول : ” ينهض نخل الارض/ تلوب على السعف عناقيد الدمع/ ادور مع الشجر اللائب/ اجثو عند جذور الصحف الاولى/ اعلن بهجة قلبي”( ) ان الجثو عند جذور الصحف الاولى هو انطلاق الوجد بالموجود الى اتجاهين ، افقي موغل في المقروء المقدس القديم (صحف ابراهيم وموسى) وعمودي سماوي – مصدر نزول هذه الصحف – وهذا ما يجعل بنية الوجد ارحب واوسع فعلا في النص من بنية الحب الذي يقتصر بالمحب على فتح الصدر بانتظار النجم المخفور والاكتفاء بان تهوي الذات بذرة حب في الوديان . واما التعادل في مقابلة اللازمة التكرارية بين الحرب والصبر(3×3) فيمثل استحضارا لانواع الصبر الثلاث (الصبر بالله والصبر مع الله والصبر على مقادير الله) مقابل الحرب سواء كانت حربا بالمفهوم الواقعي ام حربا مع الذات ، دون غلبة احدهما على الاخر . وطالما كانت الحرب والصبر طرفي جدلية اطرت حياة الانسان على الارض ، لذا فأن النص يستحضر الصبر مضمونا في المقطع المتوج بـ (مائدة الحرب تدور) على نحو يشي بانضفارهما معا في كل وقت ، مع التلميح ضمنا في هذا المقطع على انها حرب النفس ضد النفس : “أشقُّ عصا الموت/ وأفتح نافذة للغزلان/ السمك الاخضر يعدو في الفلوات/ ويبتلع الاوثان/ يبدل خارطة الالوان”( ). في حين ان مقطعا آخر تحت اللازمة (مائدة الصبر تدور) يستحضر الحرب الواقعية من خلال متعلقاتها: “مجداف صديءٌ/ بحر تشربه الاسماك/ ضفاف موحلة/ اشلاء حديد غازٍ/ قبعة الجندي تدور/ عاصفة تذرو الرمل/ على التيه المنشور( ) . 3_د : دالة الحرب في البنية التكرارية – دلالة النشوز ان البنة التكرارية في القصيدة وان وشت تاويليا بصوفيتها فقد تشي ايضا بملمح هام من ملامح هذه الصوفية ، انها صوفية خاصة تنفلت عن الاعتزال ، وتنعجن بالحياة نفسها ، تتعبد وتعيش وتشارك في صنع الحياة ، وتحمل اعباءها واوزارها وليس ادل على ذلك من دفع دالة الحرب الى مساحة مستبدلات اللازمة التكرارية بوجدها وخمرها وحبها ومسكها وصبرها ، وهي أي دالة الحرب قد تبدو ناشزة عن الحقل القرائني لخمرة المتصوفة وهذا يعني ان البنى التكرارية تتغيا طرح صوفية مواجِهة بحكم الواقع الذي كانت الحرب مفردة من مفرداته، نقرأ بعد لازمتها: “يبعثرني النوم على اشلاء الفجر/ اكسر عصف الصاروخ القادم من طائرة الكابوجي/ اشرب ذعر الاطفال /وامنحهم عطري”( ) ان هذه الوصلة الشعرية بمضمونها نموذج لروح مواجهاتية يمكن تلمسها مضمونيا في جميع المقاطع المبدوءة بهذه اللازمة، في حين تتفرغ اللوازم القبلية الاخرى لتأطير جماليات متغيراتها الغارفة من المعجم الصوفي، يؤازرها في ذلك اتكاء القصيدة بعامة على معطيات الخطاب الديني الاسلامي سواء على المستوى المعجمي الذي يتخذ من معجم سورة الرحمن منجما ثرا له بتوظيف الفاظ من قبيل (الريحان ، الياقوت ، المرجان ، النجم ،اللؤلؤ، الشمس، القمر ،الرمان … الخ) ام على المستوى الاحالي الى مرجعيات قرآنية مثل (كهف الفتية ، الصحف الاولى ، الحوت ، الخيط الابيض ، المسك ، الغربان،التفاحة… الخ), ان صوفية هذه القصيدة صوفية (حُروفية) بمعنى ان الحرف نفسه هو المعشوق وهو مدعاة الوجد ،وهو خمر الحياة ومسكها ، وهو المحارَب به، والمحارَب لأجله ، فنرى ان الذات الحاكية فيها تحارب وتصبر،وتحب وتتواجد على اعتابه ، وهو بالمقابل لا ينفك يمنحها من خيره ،ويُطوِّبها ببركات ثماره، حتى يستحيل الشعر عند هذه الذات بستانا داني الوميض في لحظة كشف ، تقول القصيدة في اطول مقاطعها واكثرها فرزا لمحمولها الرؤيوي : “مائدة الخمر تدور / كفي تمسك ومض البستان / كفي تمسك بالنور الاغصان / كفي باركها الحب / واطلع فيها الكافور / يوجعني عسلٌ ورديٌ / يتفتقُ في الديجور / توقظني خصل التاج النافر / فوق هضاب اللغة الخرساء / توجعني السيمياء / فأغفو في خصر الريح / وابتكر الزرقة في وشوشة الاشياء / تعدو الانهار على صدر الصحراء / قلبي فُلكٌ / والعطر الغامض مرساه / وحصاةٌ قلبي تطفر من قافلة / وتصير دليل”( ) . ان هذا المعشوق المانح لابتكار الزرقة ، الصاعد بالحصاة الى ان تصبح دليلا على مرور قافلة الشعراء على هذه الارض على امتداد العصور؛ هو المرتكز الذي تصب فيه رؤيا القصيدة، انه هنا البؤرة الانسالية التي ولدت القصيدة ومنحتها بناءً مقطعيا ممنطَقا ومتسلسلا، بتوزيع مدروس للّوازم التكرارية، وعلى نحو وضع بين يدي القراءة قصيدة (مُمَنْتَجة) مونتاجا محكما، تتصدر كل مقطع من مقاطعها عتبة تكرارية، تشدها بنائيا ودلاليا وايقاعياً بما قبلها ، مهيِّئة لما بعدها ، مُلقيةً على المقطع المتوَّج بها رؤيا جزئية تتضافر مع غيرها في تأسيس الملامح العامة لرؤيا كبرى هي القصيدة. الهوامش

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: