زهر الحدائق..

 البصرة

ملفّعةٌ بوهج النارِ

طافحةٌ بفوح الفلّ والنوّارِ ،

صامدةٌ وحق النخل والوعدِ

وحقّ أبي الخصيب وهيبة الجندِ

وحق هواك اكتم منه أضعافَ

الذي أبدي

وحق هواك يطلع منه في جسدي

رياحينا وأجنحةً ،

وأسرابا من الدوريِّ والرند

وابكي مثلما تتجرّح الأشجارُ

اصرخ يا غبار الصيفِ ،

يا وحل الشتاء ِ

وياعيون الفجرِ

لا أعطي العراق بجنة الخلدِ

وحق الليل ،

ليلك شامخاً بعوابق المجد

وحق رباك

تشعل كل ما في الأرض من حزنٍ ،

ومن وجد

وحق رجالك الزرعوا الحدود مشاعلاً ،

ورجالك الآتين ينتشلون

وجه القدس ،

مَنْ غير العراق يضم وجه القدسِ

يا ألماً ويا أملا ويا غرهْ

لعينكَِ شمعة نذرا

وزنارٌ لخصرك احمرٌ يضرى

أيا خمرية الوجنات يا بصرهْ

ويا عربية اللفتات والغمزاتِِِِِِِِ

رايات على الغابات ِ،

تلثم سعفها سكرى

ويوقظني الهوى ،

جرحان : هجرك والوصالُ

وسكرةٌ أخرى ،

تداوي الشوقَ …

مطفأةٌ عيون الليل في خطوات هذي

الصولة الكبرى

أيا خمرية الوجنات يا بصرهْ

 

الحمامة

أسافر مثل الضياء إلى حيث تستأنس الضوءَ

وقت الصباح ِ

ووقت انسياب المشاغل من كوّة البدءِِِِِ

اسكن فنجان قهوتك الحلوة ِ،

المرّةِ، المستطابةِ بعد التعبْ

واشرب منها ،

أشاغل عينيكَ،

تضربُ كفي وتصرخ بي ،

أتراجعُ

يشرق فوق جبينك غصنُ الغضبْ .

وآتيك في الظهرِ ،

أتيك ، يسند صدريَ رأسَكَ

ينزع عنه المشاغلَ ،

عطرك نفحُ العراق المخضّب بالحزن ِ

والفرح المستفيق ِ

على صهوة الفجرِ ،

عطرك ليل العراق المضمّخ بالياسمينِ ،

أفتّح صدرك للضوء ِ،

أبصر وهج المشاعل تأخذ روحي إليها ،

وتلقي بها في مهاوي الحرائق ِ،

تلقيك في قاع قلب امرأهْ ..

تشتهيك على حافة الموت بين الصحارى

وبين انعتاق الخيولِ ،

تجيء القطارات من وشوشات المحيط ِ ،

ومن نزوات الخليج ِ

ومن لاعجات امرأهْ ….

تعانق وجهك عبر المخاضِ ،

وفي حرقة الطلقة المدلهمةِ

تشرق فيك حمامة ضوءٍ

يخضّبها الوجدُ ،

تلك منى العمرِ ،

ما بين بيتي وبيتك يمتد سور من الأمنِ

تقصيه عني حبالُكَ ،

والمشتهى وجهكَ ،

المنتهى وجهكَ

المبتدى

انني الان ما بين نارينِ ،

بين اللظى والندى

وما بين حبي وهجرك نهر وصبيرةٌ

والعصافير حيرى ،

وكل النوارس مذبوحةٌ

من ترى يطلع الان من جلده كي يعرش لبلابةً

من جحيم المحيط لنار الخليج ِ،

ومن قبة القدس حتى قبور أميةَ ،

بيروت تنشر وجهي على حافة الجرفِ ،

تنشر موّال حبي على كتف دبابة غازيهْ

وبيروت تستلب البحر زرقتهُ

وتنام على الشط مذبوحة عاريهْ

ووسط العواذلِ ،

وسط التحام العيون تناديكَ :

خذها من الوجع القاتلِ ،

الوجع الدافئ ،

الوجع المرِّ …

بيروت تحتلها لهفة للرجوع لخيمة قلبكَ

طفلتك ألان تكبر ، تحبو ، وتقفزُ

في مقلتيها يضيء العذاب الذي

يجرح الجدر المستكينة َ

بغدادُ مفروشةٌ باللظى ،

وبالشيح مزروعةٌ

انت تدرك سر الغوادي الروائح ما بين قلبي

وقلبكَ ،

تدرك أن عذابك عذبٌ

وانك تحضر في جلسات الهدوءِ ،

على الشاي عصراً

وفيروز تهمسُ

“وسْعَ السماء أُحبك ، كبرَ البحرْ”

وفي الشارع الأفقيّ أجوبهُ ليلاً وأنت معي

وحديثٌ يتمتم بيني وبينك عن خطر العنفِ ،

عن بهجة الحبِّ ،

عن ليلة لن تجيءَ ،

وعن فارس يسكن القلبَ ،

يختصر الوطن العربيّ ،

وتبسمُ ،

أبسمُ ..

تذبل كفي بكفكَ ،

قلبي حزينٌ

يخافك قلبي ،

يخاف بعادكَ

أنت تحسّ هواجس روحي ، تشدّ يدي

طعنةٌ عبر صدري تعبرُ ،

دمعٌ يجفّ ..

وكلّ مساء أجيئكَ في طرفٍ من حديقتنا ،

خلسةً وأخبئُ عينيكَ ،

لا يجفل الوردُ ،

لا تستريبُ ،

وتحضنُ زنديَ ،

تدرك طعم النسيم بكف امرأهْ ..

إذا عاودتك انتشت ليلةٌ

وزهت نجمةٌ

واستفاق الأسى مرة ثانيهْ .. .

 

قصائد عن الحب والحرب

– 1 –

أسرى على الباب العتيق قصائدي وقلائدي ،

وسوار أحلامي وغابة ذكرياتي ،

ومسيّجٌ بالنار درب هواكَ ،

يسقط عبره الغادونَ ،

من أين الخلاصُ ،

سريةً فسريةً عبروا وجازوا أمنياتي ،

كيف الخلاص وأنت نورس شاطئ يدنو

وينأى

يستغيث من اضطراب البحرِ ،

من وجع الحقيقة صارخاً في أغنياتي

خذني أفتقْ في جذور هواك ورد العمرِ

أعدو في روابيك البهيّةِ ،

شلةُ الغزلان ترتع في مداها ،

والوعول تخطّ فيها مربع الأحلام ِ

خذني من بوادي الليلِ ،

أشعل شمعتي ،

وتخطَّ في شرفات قلبيَ وابتهجْ .

كل الذين ترجلوا هاموا وضلت خيلهم

وأتيتَ ترفل بالمنى

ويصير في كفيك ماء النهر ضوءاً

مُدّ أشرعة إلى الظلمات يهوي القيدُ

أدخل في رحابكَ أستبيح رضاكَ ،

درعي صمتك المتلألئ القسماتِ

يخفي لوعة الأمس الذي عادت بيارقهُ

بأيدي الجندِ

– هل عادت بيارقه بأيدي الجند ِ؟

أقتحم اصطباركَ ،

عدّتي هذا التوحّد فيكَ

هذا الدفء والتوقُ الذي يفديكَ

هذا الحزنُ ،

هذا الحلمُ ،

هذي اللهفةُ السكرى على عينيكَ ،

هذا أنت في عبق الحقول المثقلات بطلها

وبما يرفّ عليّ من نسماتها

وبسعفها ، وبهارها

ومواجع القداح في نيسانها ،

وبما تألق في الصباح الغرّ من أثوابها

كلّ الجبال تلمّ أذرعها ،

ونشوى تحتويك بحبها

في الفجر أشعلت البيارق واختبأت بفيئها ،

يا منعم الفرح الطليق لمهجة أودى بها

فكّ الإسار ، إسار روحي واختبئْ بقرارها

بالأمس أشرعتَ النوافذ واعتصمتَ بسحرها

فنهجتُ نهج سجينة هربت بثوب حبيبها

وأتيتُ تملؤني الأهلةُ والجداولُ ،

نحن في وادٍ من السحر الأثيريّ

انتحينا ظلةً :

تندى على شفتيك أغنيتي ،

وتزهر فوق شعرك قبلتي

ويحطّ عصفور على شفتي

حمامة حبك النشوى تجوب القلبَ ،

تسقط في ذراه صريعة الحمى

كأنك ما تفيّأت الهوى من قبلُ

ما أشعلت شمعتهُ ،

ولا أعطيته العمرَ الذي أعطيتَ ،

– لا …. ؟

من أين جئتَ ،

تفتّقت كل الشقائق ِ ،

وانتشى ورد العرائس بالندى

وتضمّخت غابات روحي بالعبيرِ

وجئتُ في بهو الأمان ِ

أضمّ وجهك طافحاً بالضوء ِ

ادخل كوّة العينين حيث اللهُ والشهداءُ

يستمعان نجوى أثنين في فيض الهناء ِ :

أنا … وأنتْ

– 2 –

عنفوان الفتح في عينيك والسرُّ الذي لا ينجرحْ

وسماً تومض عبر الليل حزناً وفرحْ ..

ونشيداً ذاب في حاشية الفجر المبرّح

يا بهيّ الوجه من دقّ على بابي وراحْ ..

ومن استنهض في قلبي جرحاً ،

واستراحْ

إنني أبصرُ في عينيك ليلاً ومشاعلْ

وخيولا مسرجات العزم تعدو بالجلاجل

إنني أبصر رايات بني حمدانَ

تختضّ على جرح الرجالْ

وأرى سرب القطا المذبوح في ليل الجزيرهْ ..

وعصافير الهوى المجروح حول القدس ِ

والجولان والدلتا الأسيرهْ

وأنا المح قطعان المها المطعونة الأحداق ِ

في لبنان ، من يجتثُّ حزني ؟

إنني اصرخ من هوة هذا المنحدرْ

من يزيح القيد عن جذع الشجر

من يفكّ إسار غزلان العراق ِ

يلم أحزان العراق ِ ،

يشدّ جرح النخل في قلب العراق ِ

– تعال يا وطناً مضى

– انأ لن أجيءَ

تكسّرت في النصالُ

ضحكت اذ أبدلتمو رجلي عصاً..

زندي حديداً

أنتمو أبدلتمو ببريق عينيّ الزجاجَ ،

ضحكتُ ، لم أبكِ ،

الدموع دعيةً صارتْ ،

وصار الحرف قشاً

كان يوماً ما سماءً ،

كان لي جدران أمن … ودثارْ .

يا أيها المستبسلون على حدود الليل ِ ،

هاكمْ وردة الضعفاء ِ

هاكم دمعة الضعفاء ِ

هاكم كل أسلاب العناء ِ

أتيت لكنّ المراصد أرجعتني

أنني امرأة ٌ،

وأن شريعتي خوف العصورِ ،

زمانَ عدت كتبت فوق الماء أغنيةً

وهبّت نخلةٌ تبكي

فأهديت الظلال محطةً

واتيتُ …

كلّ الورد في عيني ينبضُ

كل سحر المجدِ

أهدتني المياه نقاءها

وسخت علي بسرّها

وطلعت في ليل العذاب جديلةً فرعاءَ

عدت بكفيَ السيفانِ :

سيف الحلم والإنسانِ

عدت وتسقط التيجانُ

في أصداء خطوك ينتهي عصر الهوانِ

ويزدهي قمر جديدْ .

– 3 –

وأبحث في قصائديَ القديمة عن رؤاكَ ،

صداك عبر دمي يفتّح شرفةً ،

تسري بهيكلها الغزالاتُ ،

الخيولُ ،

الطيرُ ،

أقتحم المتاهة بين صوتك واغتراب قصيدتي

وأقول : منطفئٌ سعير الليلِ

أنت تقول : هادرة عيون الخيلِ

قلبي يقولُ :

ها … كف الهوى الآتي

شهيدٌ ٌ ويصير باب القدس اقربَ

خطوة أخرى ،

كروم الحلم أدنى

إن في عينيك فردوس اليقينِ ،

وقصةً توحي ولا تحكي

وصخرةَ حبي الماذلَّ في زمن

ووجه السيد المصلوب يبسم من جديدٍ :

ها همو عبروا الحدودَ ،

تهاوت الأسوارُ

وجه الجند في” كيلانَ ” ينبئ بالحكاية مرة أخرى

“قتيبةُ ” لا ينام وفي المدى درب جديدٌ .

انه الفجر الذي شهد الهوى غضاً

ليورق فيك ثانيةً

وينتفض الوليدُ مضرجاً في الشامِ ِ ،

يركلهُ المرابون القدامى

……

يا غصون الشام شدي جرحهُ

لمي مواجعهُ

وضمّي حزن جبهتهِ ،

استريحي في مداه ُ

ولملمي قطع المحار وانشديهِ :

أزهر الخابورُ …

مرحى.

– 4 –

ورحت تلمّ أطراف الحكايةِ

تستجيب مشارف التاريخ ِ

تسمع هاجساً يمتد عبر مصارع الأحزانِ :

لا تعجبْ … كذبنا

نحن جرّحنا عذاب الحبّ حتى أن سقطنا

وتمرّغنا ،

ومرغنا البدور اليعربياتِ

بوحل الزيف ِ ،

مزقنا هوى الأحباب ِ ،

لطخناه في عار المذلةِ ،

كلما انتُهكتْ على سرر الضنى ليلى

تداعى ألف قيس كي يصدّ الكيد عنها

خُلبَ المرمى ….

ابنةَ المهديّ …

 عاريةٌ سيوف الجند حول حماكِ ،

نهرٌ من دم لا يطلع الزهر الجميل َ ،

وليس يعرف للمصب طريقهُ

الآتون يفزعهم غبار العتمة النكراء ِ

نهر من دم يمتد عبر الليلِ ،

 يشرق في بواديكِ الحسان ،

وصيحة تختضُّ

ليلى استرحمي قلب الهوى المذبوح ِ

ردي لهفة الولهانِ

نهر من لظى يجتاح صمت القبّرات ِ

يقول : ها …. خلُصت حبال الوجد ِ

قلبي يقول : ها .. بدأتْ

واسقط مرة أخرى

العذاب الحلو يزهر في شبابيك العذارى

الفاترات الطرف ِ .

صوتُ ابن الملوح يستعيد مكارم التاريخ في دميَ

المضرج أوجه الربوات ِ…

ملعونٌ عذاب الشوق ،

في أعماق روحي زهرةٌ حمراءُ

قالت كي تبوح بحبها :

” ضحك البنفسج واستفاقَ “

وكنت تسكن غيمةً نشوى

ومنها استسلمت عيناكَ ،

واسترخت روابي الوردِ .

مشرعةٌ حقول هواكَ

مترعةٌ عيون هوايَ

والجند الذين تسربلوا بالدم عادوا

كي يباهوا حبنا …

ويطلّ وجهك من جديدْ …

 

 

هواجس أخرى

       **

 

 

 

 

سلامٌ قال ليلكَ …                                  

كوةٌ خضراءُ قالتْ :

مرحباً بالعابرينَ ،

وأشرعتْ كل الدروبِ

لمحتُ وجهك عبر غابات الدم ِ ،

الأقمار ِ

يخطف كفيَ اليمنى

ويزرع بهجة في القلبِ .

خضراً كانت الساحاتُ

تهزج في روابي الليلِ ،

تفتح للصباح نوافذاً علقت عليها الروحُ

في كل الزوايا منك شيءٌ يستريبُ ،

وآخرٌ يجلو ،

فماذا كنت تزرع في بهاء الليلِ

خلفت الشواطئَ بالندى تهتزُّ ،

أيقظت البنفسج َ،

واستفاقت ظبية في الحي قالوا :

صيدها حرمٌ ،

ومن دمها على كفيك حناءٌ

تبارك سرَّ ذاك القوسِ ،

لا تزرع غبارك في دمي

يا أيها الولد المعنى قلت : لا تزرعْ …

على الشطين يافا تستفيقُ ،

وتنشر الثوب الحريري المزركشَ ،

يستظل به المحيطُ ،

ويستريح النخل في واحاتهِ

يا أيها الولد المدمّى

مد لي كفيك يسري من جوى نهرانِ ،

تنفتح الحصونُ

ويصبح الوطن الذي يمتد عبر مصارع الفرسانِ

واحدَ …

مدّ لي كفيكَ ،

اقطفْ وردة اليمنى

وأكتب غنوة خضراء فوق الراحة اليسرى

وأعطي حرقتي للريح ِ

قلتَ … وعيتُ سر الرحلة الأولى

الدروب تلفّ ساعدها على حدثين ِ

ما عرفا عذاباً أو ظمأ ..

أقسمت : لا عبر الهوى بك ضفةً أخرى

ولا أسلمتْ .

كان الفجر مسكوناً بلوعة هاجس يغتالُ

جذر الليلِ ،

من وجد تفصّدت الغصونُ ،

إليك شمساً لا تغيمُ ،

وقمةً إذ تشتهى تُفدى

وصحراء على أذيالها الغزلان ضارعةٌ

قلائد حبها جمرٌ ،

وتعشقُ

لا تساومُ …

كل ليل لا يمر بفديةٍ مهدورُ

يا فتك الفواتك ِ

يا هوى الفرسان ِ ،

عاشقةً أتيتُ ،

وعندما غادرتُ كنت شهيدة الشهداء ِ

إذ أسلمت للطوفان كفي كان وجهكَ

يستريح على ذرى الأحزانِ ،

إذ أصغيت للريح التي تلوي يديَّ ،

سمعت هاجس نخلة صلّت بقربي

واسترقت شجون أغصان المساءِ

وكنت تمطرني بأقواس الضياء ِ

وكنت أغفو في الظلالِ

اقلّب الجرح العتيقَ

يُفيقُ … ؟

قالت وردةٌ :

ومتى استراحْ …!

*

*

متوحدينِ …

وغيمةٌ خضراء توقظ هذه الصحراءَ

تطلع في روابي الروح سروا يستظلُّ

بأمنه الركبانُ

هذا الحزنُ يودع في زوايا القلبِ

منك عرائشاً نشوى

أنا استنهضتهم حراسنا صرعى

فمرحى …

كلّ أسلاب القبيلة ملك كفينا

ومرحى

هذه النار التي تجتاح عمرينا

تضيء الليلَ ،

كل الليلِ ،

خذ أشجان روحي ،

هات كفك نعبر الدنيا

ففي قضبان هذي السكرة الكبرى

سيولد فجرك الممتدُّ ،

يولد كرة أخرى

* * *

 المرأة

**

 

بعيدٌ هو الدرب ما بين مكة والقدس ِ

خلف النخيلِ

 تدلي السماء وجوه العذارى الشهيداتِ ،

خلف النخيل وفي ليلة الوعدِ

جئتِ تجوسين هذا الخرابَ

نساء الجزيرة يغرقن في لجج الرملِ

يذبلن في هامش الليلِ ،

إني رأيت وجوه النساء كراتٍ جنوبيَّ لبنانَ

إني عبرت جسور العذابِ

فلم أر فيما ترى العين زهرهْ

ولم أبصر امرأة العصر تشعل شمعهْ

وجئتِ …

تضمّين وجه السماء وتطلعك الأرض ريحانةً

إن صرح العذاب تهاوى بصرختك البكر ِ

إن نوافذ فجرك تختضّ بالشوق ِ

آهٍ …

وفي ليلك الظامئ الوجد ِ

كنت افجر لغم العبيد ِ

ويصرخ قلبكِ … لا … لا .

أهزُّ الجريمةَ ،

أوقظ جثتها اليومَ

أين العيون ، تراك كما أنتِ ،

أين العيونْ ؟

تثورينَ …

ينفتح العصر بغتهْ

ويطلع وجهك في قمة العصر بغتهْ..

تمدين ساعدك الغصنَ

أبصر هذي الأصابع تسقط ورداً

وترنينَ …

أبصر هذي العيون تنثُّ المحارَ

تعالي …

على السور ليلكةٌ بابليهْ

وليلكة مغربيهْ

تسائل عينيك عن يوم تأتينَ

– أخبرت الليلَ –

تشرق أعراس حيفا

وتخضر سينا

ويطلع بدر من الشرق ِ

يقذف هذي الروابي بزهرهْ

فيشعل كل الغصونِ

تعاليْ .. تعالي .

أصيل عرجت إليكِ

تناثر تفاح عكةَ

ينزف كان الشجرْ

وكانت جداول عينيك تطلع فلا

وتنشر هذي الصحارى سماوات زهوٍ ،

تُظلُّ غد الحلم ِ ،

قلت : تعاليْ ،

تكونين لائحة العصرِ

شامته اليومَ

إن غزالات نجد تكحلن بالحزنِ

إن بدور الشام تعطرن بالحلم ِ

ان قناديل بغداد تختض بالفرح الطفل ِ

جذرٌ لها في عيون الشمالِ

وقلبٌ يفجر عمر الليالي

تعاليْ ..

تعالي ..

عن الأرض والأشياء الأخرى

               **

 

لأنكِ انتهيت حيث تبدأ الأشياء

يا قمراً يورد السماءْ

مري على الحمائم الشريدة

ولوّني الغصون بالعطاءْ ..

*

كل بكاء الأرضْ

لا يطفئ الوجد الذي في القلبْ

كل عذاب الأرض ..

لا يزن الحزن الذي في القلب

كأنّ حبك اشتعالْ

كأن حبك انطفاء

كأن حبك الفردوس اذ تعانق الصحراءْ

كأن هذا الليل اذ يجيء بالعبير من غصنينِ

في عينيك يلهثانِ ،

من طيرين في دوحك يهزجانِ

قنديلي إلى السماءْ …

*

وأنت يا أميرة النساء ِ ،

إذ استلّ من عينيك خيط الحزنِ ،

اذ أضيع في متاهة العطورِ ،

في خضم ليلك المكتظ بالسمارِ ،

اذ تشتعل الغاباتُ

اذ يصير لي جنحان أخضران

اعبر الوهادَ ،

والسوح المدمّاة إلى السماءْ ،

كان الله يأمر الحراس ان يشرّعوا

الأبواب ،

أن يكسروا الحدود ما بيني وبين العرشِ ،

أن يسلّموا الراياتْ .

وأنت يا أميرة النساء ِ ،

اذ تتسع الهموم في دائرة الأشياء ِ

تصبحين غيمةً ،

فأدخل الكهوفَ ،

تمطرينَ …

ادخل الكهوف احتمي من العذابِ

اذ يذيبني العذابُ ،

إذ يدور بي …

يرفعني .

يمزق الشراع ما بيني وبين السرِّ

اقبض المفتاحَ ،

يهوي القلب في مجاهل الطريق ِ

استفيقُ ،

يستفيق وجهك الأميرْ .. . !

أحسّ أنّ الله يهجر السماءَ ،

حينما تأخذك الأشياءُ

إذ تبعدني الأشياءُ ،

إذ تضيق هذي الأرضُ ،

حتى أغدو السجينة الوحيدةْ ..!

****

وكأنّ كل الأمس ماء مرّ ما بين الأصابع ِ ،

كنتِ أنت الماءَ ،

كنت النارَ ،

كنت الحلم يكبر في جذور الشمس ِ ،

كنت حبيبتي انطفأت عيون الريح اذْ

طلعت يداك بزحمة الأشياء غصناً

حطّ فيه القلب عصفوراً

وغابْ …

في الليل تشتعل المواويل الحزينةُ ،

والقرى وجلى ،

على الشرفات تفتح كوة ليطل وجهك طائراً

يغتال روحي ،

من يظل جراحها الدامي ،

يُنيمُ طيورها الجوعى ،

ويسكن روعها ،

تتربعين بغصن قلبي وردةً بيضاءَ ،

أصفى من ضمير الماء ِ ،

أجمل من عذاب هوايَ …

أشهى …

يا وردة البستان يغتال الندى حبي

وأُصرع بالندى ،

وهواك أندى

قلبي بقارعة الطريق ِ ،

مجرحٌ قلبي ،

وكفك خيمةٌ ،

والحزن صاريةٌ

وهذا الليل مجزرةٌ

وأنت مررت ِ بالواحات فاشتعل الصنوبرُ

يا رياح الأمس في صدري ،

خذيهِ ،

وفجري حزم العذابِ ،

خذي العذابَ ،

وهاتِ وجه الشمس ِ ،

ازرعه بقلب الأرض ِ ،

قلبي …

 

زهر الحدائق

   **

صباحات الندى والخير يا ملك الزمانِ ،

على الغصون تألق الرمانُ ،

في عينيك مملكة تضيءُ ،

وواحة جذلى

وندمان يناجون الالهَ

كؤوسهم بالخمر مترعةٌ

وخمر في مآقيهم

ولا قمر يمرُّ ،

ووجدهم جمرٌ ،

ولا قمرٌ يمرُّ

على الأرائك صبية يتضورون بلوعة الأشواق ِ ،

من يعطيهم خيط الأمان ،

لتخمد النيرانُ

سكراً أيها الأحبابُ

وجهي غائمٌ

وحبيب قلبي يستبيح الروحَ ،

يعبث بالربى

فلتشربوا …

هذا حبيبي يستحم بضوء دجلةَ ،

وجهه نبعٌ ،

وورد صدرهُ

وثيابه الخز العراقي المكابرُ ،

صوته في الفجر أعطاني اليقينَ ،

فأمسكت كفاي بالأبواب تشرعها ،

وينساب العذابُ …

– “صبيةٌ بالدمع تغسل جبهتي

بالشوق تزرع وجنتي

تنساب أجنحةُ الهوى

ويغيب شباكي

ويهمي الطلُّ …” .

سكراً أيها الأحباب :

مَنْ في البعد احرقها بنار الوجدِ

مرّغ ليلها بالسهدِ

جرّح قلبها بالصدِّ ..

ينكر اسمر الفتيان لوعتها

وتبكي زهرة الرمانِ ،

تذبل وجنة الشهد المندى

 يا صباح الخير يا زهر الحدائق ِ ،

انه زين الرجالِ

اكلما نفرت حمامات الضحى شهق البنفسجُ ،

واستفز مواجع العشاق ِ ،

تبكي طفلة صدي ،

وابكي وصلها

وأنا وإياها الندى والنارُ ،

لا تخبو الحرائق أيها الأصحابُ :

إن الفجر مذبوح بعينيها ،

وفوق جبينها الصوت العراقيّ استفاقَ ،

وغال غائلة الدجى ،

واخضرت الربواتُ ..

من ..؟

من يأخذ الشهداء من مقل العذراى

آه من يستل وجهك من حنايا الروح ِ

تحت عرائش الكرم المحايد تسقط النجماتُ

في ذيلي ..

” ويا كل الهلا ”  تنداحُ خمراً في دمي ،

وتضئ في وديان روحي كالرجاءات البعيدةِ ،

اجمع النجماتِ ، ليل يستحم بوجدها ،

ومرابعٌ تعرى

وحبي غيمةٌ ذبلتْ

على عيني نذر ان أتيتَ تعطر الواحاتِ ،

تهجر حزنها وتبوح بالريحانِ ،

لا تذهبْ ..

على الأشجار تومض نسمةٌ ،

وتشب في الليل الحرائقُ

يا صباحات الندى ونسائم الأفراح ِ  ،

يا شجر المنى …

من أين أقبلت الشموس تهز مهد الكون ِ

عنقودُ الدموع الخضر إذ يهمي على كتفيكَ

شلالٌ ينثُّ ،

وزهرة تدمى

وأروقة تفتّحُ للغمائم بابها ،

وتغيب …

عبر خطاك غاباتٌ من الحناء تنثر عطرها ،

وتفوح أودية العراق ِ ،

أيا عراق الروح أنتَ ،

 ونبضه وهواهُ ،

والقمر المكابر في سماهُ

أيا عراق الروح ضُمّ إليك غاباتِ العراق ِ ،

وليلهُ …

وهواي عبر هواهُ …

ضمّ إليكَ طيراً صادياً في القلبِ ،

يهجر ماءه ويهيمُ ،

تُرديهِ الينابيعُ البعيدةُ

تستبيحه ومضة الصحراء ِ

يلهث في دياجرها ،

يقطّرُ رملها ،

 ويهز فيه ندى الجذورِ ،

فخذهُ ،

خذه إليك ،

هدّئْ روعهُ

وامنحه خيط الضوء في لجج الظلام ِ ،

ولا تعاتبْ ،

لا تعاتبْ !

 

السفر

 **

غريبان قلبي ووجهكَ

إن عشيات ليلى تسائل عن سامريها

يمزق كفي الرصاصُ ،

وأرفع رايتكَ ،

الشمس يطفئها الحزنُ ،

صار الدم المستباح وليداً يجرحه الحلمُ ،

وجهيَ يسقط في عنفوان الحريقْ …

وما كنت أجمل من لوحة في السماء ِ

يخططها عاشق مات صبراً

ولكن وجهك كان وما زال يحتل قلبي

ووجهك كان يفجر شوق البنفسج ِ

في عنفوان الزمانِ

تدور الروابي

وتحكي لكل الغصون عن

 الوطن المستفيق بجرحي .

وما كنت اعلم ان جفاك سيشعل عمري

ولكنني حين رحتَ ،

وجدت السماء تساقط أشظاءها ،

والغصون تفتت أزهارها

والملاعب تعرى

ويهجرها الصبية الأشقياء

ولم أكُ املك في أن تجيء وألا تجيءَ

لأنك كنت بعمق جراحي

تفتّح فيه شموساً وتزرع نهراً

وما كنت أعلم أن الأغانيَّ والوردَ

والفرح الطفل ملك جبينكَ

حتى رحلتَ ،

وجاء العذابْ …

احبكَ …

كيف يصير دمي جدولاً

إذ تصير عيونك حقلاً

وكيف يصير الرصاص سنابلَ

إذ توّجوني عروساً لديكَ

سقطت وأشهدت حبكَ

كان الهوى قدراً

والشهادةُ عهداً

وكنت تسرح شعر بلادي

وترشق شط المحيط  بماء الخليج ِ

وكنت جميلاً

ولكن حبك – أعجب – كيف يعلقم قلبيَ

يا زمناً حاضراً غائباً

إن لون السماء أسير

وقلبي أسير

وكل الحمامات اسرى

واقسم اني سأكسر كل المرايا

ليبقى الجدار شهيداً

تكحلت فجراً

ولكنهم علقوا العابرين على جذع نخلٍ

أقول لعينكَ :

كيف يصبر النخيل مشانقَ ؟

ليلاً بكت نخلة وتهاوتْ

ولكن وجهك عادَ ،

وعدت أضمك ثانيةً

إنّ ليل العذاب طويلٌ

وكفك فوق جبيني تندى

وقلبي يزرعه الحلمُ

يا وطنا حاضراً غائباً

إن كلّ الحقول تساقط فلاً

وكل العصافير تنساب مترعة بالغناء ِ

ووجهك هذا الذي يسكن الحلم َ

يحتلُّ وجه السماء ِ ،

ويمطر أشرعة

يا صبايا النخيل اغتسلنَ

مياه الفرات تفجّرُ صمت الجذور ِ

ويرعدها الشوقُ

ها هي تأتي إلينا

وها أنت تحمل قنديل حبي

وتشرع بالسفر المستحيلْ …

***

 

الحلم

**

تصيرين رمزاً يفتح كل الخلايا

وجسراً ليعبر كل الجنودْ …

تعبت من الحلم ِ

صار الرحيل إليك ضياعاً

وصرت أحاور نخل الجزيرةِ

عن ثمر أشتريهِ ،

ويرفض بيعي

وعن رطب لا يساوم وخز الرياح ِ،

أيا نخلةً في الحجاز أجيبي

إذا انحسر النخل قامت سكاكين خيبرَ ،

ما بين قلبي وبينك عتبٌ طويلْ

*

*

تُطلينَ مثل مياه الجداول تحت الضياءْ

تطلين عذبٌ محياكِ

يا أيها القمر المستحيلْ

تطلين لا كان مرّ الجفاءْ

إذا أنت أسدلت شعركِ

تحت قناديل ليل بَليلْ ..

تطلين …

أغرس كفي بهذا الترابِ

فيطلع حقلٌ من الورد ِ

حقل من الحزنِ ،

حقل من الشجر المستفيق كغزلان نجدٍ

تطلينَ …

ينهمر المطر الغضُّ

يزدهر الشهداء بحلة جناتهم

تتشهّى الملائكة الأرض َ

مقبلةٌ أنت من كوة ٍ

والرياض تُدمّى بليل ثقيلْ …

……..

……..

شهدت انحسار الغزاةِ

غداة زرعت شهيدك في شرفة الشمسِ

يا امةً تعبت بالهوى والعذابِ

وما تعب الراحلونْ ..

………….

أأنت أميرةُ حبي ؟

اختبأتُ بعينيك فر المداجونَ

وانحسر الموجُ ،

صار الأحيدبُ في سفح بيروت ملحمةً

والردى للرجالِ

تموت النساء ولكن بصمتٍ

وتدفن لكن بليلٍ

وتحلم كلَّ الزمان باكليل وردٍ

ويرفض رهط القبيلةِ ،

يرفض باسم الرجالْ ..!

……

دمٌ في فمي

وسؤال يحاور صمت العشيرة ِ

كيف تصيرين معبودةً في الخفاء ِ

وعادية في العراء ِ

ويسكت كل الدعاة ِ

إذا جئت باسمك افتح جرحي

وباسمك أعلنُ عصر التوافق ِ

بين الندى والحرابْ

تعالي …

ممضٌ هو الجرحُ

لكنه الحلم يطلع مثل الصبايا معافى

ليوقظ نبض الجذورِ

ويغتسل البحر باللهب المتلظي

ليطلع فجر جديدْ …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: