شعرية الجنوسة..د. وفاء عبد اللطيف زين العابدين

مقاربة لنص   قصيدة العراق للشاعرة العراقية بشرى البستاني

مزيدا من الجسد ، مزيدا من الكتابة ” ” من حق الرجل إثبات ذاته بمهنة ، ولكن ماذا عن المرأة ” هيلين سيكسوس (1)

تصف الناقدة والمنظرة النسوية الفرنسية هيلين سيكسوس العملية الإبداعية لدى الكاتبة قائلة : ” ان المرأة تمنح نفسها قدسية عندما تنجب ذلك التدفق الامنيوسي (amniotic) – الرحمي من الكلمات والتي تعيد وتكرر ايقاع وتقلصات فعل المخاض ” (2). أي [ فعل الإبداع ] وبذلك يكون تقمص الجنسانية (Sexuality) بالنصانية (Textuality) حيث يصبح النص الأنثوي مفعما بالطاقة الخصبة والرؤى الأنثوية الحاسمة . على هذا الاساس الجسدي بنت الناقدات النسويات رؤاهن للعملية الإبداعية (Creativity) لدى الكاتبة تمييزا لها عن تقاليد الإلهام عند الرجال . وهنا تبرز مفهمة مصطلح الجنوسة أو (الجندر Gender) الذي يحاول الابتعاد عن مفهوم ” الشاعر الرومانسي الذكر” بابتعادها عن الفلسفة الكونية المتعالية (Universal Transcendental) نحو ما هو خاص وخصوصي ، وفي السياق نفسه فإن اعتماد النقد الدارج على مسميات ميزها النقد الذكوري في الكتابة الأنثوية (الأنوثة، الطبيعة ، وموضوعات الحياة المنزلية) هذه الموضوعات التي أزاحتها تماما من خانة ” العبقرية ” وبالتالي وسّعت الهوة بين ” الشاعرة “والانغمار الحقيقي في نهر الحياة وبين الشاعرة وعبقرية الأبداع ” حتى أصبحا متوازيين لا يلتقيان. وتتتّبع الناقدة النسوية كرستي باترسبي مفهوم العبقرية من الرومان حتى الوقت الحاضر وتكشف آليات ذلك الربط بين العبقرية والذكورة وتؤكد ان ربط المرأة بالطبيعة والعاطفة ساهم في وضعها ضمن المفهوم اللاكاني / الفرويدي (Lacanian / Freudian) لعقدة النقص (3) . اما النقد البايولوجي (Biocriticism) وهو التعبير الأكثر تطرفا عن الاختلافات من حيث الجنوسة من منطلق ان التشريح الجسدي هو تشريح نصاني (Textual Anatomy) وهو يفنّد ما تناقلته الأجيال من ان المرأة هي المضاد الادنى أو السلبي للرجل ، وبذلك فإن كتاباتها ان لم تكن مقلدة أو مردّدة لما قاله الرجل ، فإنها المضاد الادنى وكتاباتها المنتوج السلبي . ولقد اعتقد أطباء العصر الفكتوري ان الوظائف البايولوجية في جسد المرأة تستنزف 20% من طاقتها الإبداعية ونشاطها العقلي . كما اعتقد علماء الانسان الفكتوريين ان الفصوص الامامية لدماغ الرجل أثقل وزنا وأكثر تطورا عن مثيلاتها لدى الأنثى ، وهكذا جرى الاعتقاد بأن النساء اقل ذكاء واضعف ذهنيا من الرجال(4). اما النقد النسوي التحليلي (Feminist Psychoanalysis) فهو يبحث في الاختلاف الناجم عن استقلالية نفسية الكاتبة وفي العلاقة بين الجنوسة والعملية الإبداعية ، كما يدمج ذلك النقد المعايير اللغوية والبايولوجية الكامنة في الجنوسة النابعة من اختلاف الجسد ، فالناقد ثيودور ريك يؤسس على نظرية فرويد في النقص ويقول : ان الكتابة تتعلق مجازيا بعملية ” التبول ” وهي وظيفيا أسهل عند المرأة منها عند الرجل كونهن يمتلكن مثانات أكبر حجما ، وعليه فإن الكاتبات نادرا ما يستخدمن ” التقطّع Blocks ” في كتاباتهن (5) ، ولا يخفى ما في مثل هذه الآراء من التمحل والجور على الموضوعية لاسيما ونحن نبحث عن العلاقة الغائبة والعجيبة بين الإبداع وهذه العملية البايولوجية ، ان العملية الإبداعية لا ترتبط ، منطقيا ، بهذه الصفة البايولوجية ، لذلك جرى التركيز على ما تردد عن عقدة النقص الفرويدية المزعومة عند المرأة ، وهي عقدة الاخصاء (Castration Complex) أو ما يسمى بالمرحلة الاوديبية – الفرويدية Oedipal – Freudal Phase التي حاولت تفسير علاقة المرأة باللغة والخيال والعملية الإبداعية ؛ أما لاكان فقد وسّع عقدة الاخصاء إلى مجاز أعم واشمل للإضرار بالمرأة لغةً وأدباً وإبداعاً ، فقد ادّعى لاكان ان اكتساب اللغة ونظامها الرمزي عند الطفل يحدث في المرحلة الأوديبية حيث يقبل الطفل هويته الجنوسية (Gender Identity) من حيث كونه ذكرا أو أنثى ، وتلك المرحلة تتطلب قبول العضو الذكري كامتياز وغيابه كنقص ؛ وأمام ذلك الادعاء حاولت الناقدات مثل ساندرا كلبرت وسوزان كوبار إيجاد بديل عن نظرية قلق التأثير (Anxiety of Influence : A Theory of Poetry) لهارولد بلوم والتي تستثني النساء من العملية الإبداعية في كتابهما الضخم ” المجنونة في العليّة “(The Madwoman in the Attic) (6) . وتقول نظرية قلق التأثير ان العملية الإبداعية تتضمن وجها من أوجه الصراع بين الابناء (الكتاب الشباب) وآبائهم (الكتاب السابقين أو المعجبين بهم) ؛ حيث يُملي الآباء ما يشتهون على أبنائهم ، فيشعر الكاتب نفسه سجينا مستعبدا داخل قفص ذلك التأثير من الملهم الآخر ، ولكي يخلق أسلوبه الخاص عليه الخروج منه وقتله ومحوه تماما ؛ ولان هذه النظرية تتجاهل النساء تماما ولا تورد لهن ذكرا ، فقد ابتكرت كلبرت وكوبار نظرية قلق الإبداع أو قلق التأليف (Anxiety of Authorship) وهو احساس ينتاب النساء عند الكتابة وذلك بالبحث عن نساء كاتبات ملهمات ولكنهن لا يلجأن إلى قتلهن (مجازيا) من اجل الابتعاد عن التقليد أو المحاكاة وانما إلى الابتعاد عنهن والسمو فوق ذلك الاعجاب والتعلق من اجل خلق جديد وإبداع مستقل ؛ وتورد الكاتبات تبريرات ذلك بالقول : ان الإحساس بالوحدة لدى الكاتبة أو الفنانة ، والأحاسيس الآخرى مثل الغربة تجاه الشخصيات الابوية المبدعة من الرجال في الإرث الثقافي والأدبي مع احساسها بالحاجة إلى البحث عن الأسلاف من النساء والشعور بالحاجة إلى جمهور من النساء والخوف من العداء المتوقع من النقد الذكوري ، وارتعابها من السلطة الأبوية للأدب ، وقلقها من احداث البذاءة في الذوق العام الرجولي التوجه التي غالبا ما تلصق بالإبداع الأنثوي ، كل ذلك الإحساس ” بالنقص ” غذّى كفاح المرأة لتعريف ذاتها الفنية واقرار اختلاف جهودها نحو خلق ذات مختلفة عن نظرائها من الرجال (7) . وهكذا حاول النقد التحليلي النسوي مواجهة الفرويدية / اللاكانية التي نظرت إلى إبداع المرأة على انه نقص نفسي تعويضي يثبت دونية المرأة وان خيال المرأة لا يتعدى كونه شبقية تعويضية (Compensatory Eroticism) عن ذلك النقص مقارنة بالأنانية الواثقة والطموحة والشبقية كذلك عند الكاتب / الرجل . اما الناقدة النسوية – النفسية التحليلية نانسي جودورو فقد فنّدت ادعاءات فرويد وذلك بالعودة إلى مرحلة نفسية آخرى تسمى بمرحلة ما قبل الادويبية (Pre-Odipal Phase) لتفسير الاختلاف النفسي – الجنسي لدى الأنثى ، ففي هذه المرحلة تكون الأم هي ” الآخر ” الوحيد للطفل ذكرا كان ام أنثى ، عندها يميز الذكر نفسه على انه النظير السلبي كونه يختلف جنسيا عن أمه ، على عكس الأنثى التي تدرك هويتها ايجابيا بالتماثل مع هوية أمها من حيث الجنوسة (8) . وبالعودة إلى الناقدة الفرنسية هيلين سيكسوس والتي انكرت لفظة ، ” نسوية (Feminist) ” ، باعتبارها تكرس الفرق بين ما هو ذكري أو أنثوي (Feminine / Masculine) فانها تحاول تعويضَها مركّزةً على مصطلح الكتابة الأنثوية (Ecriture Feminine) وهي البحث في أثار الجسد الأنثوي والاختلاف الأنثوي في اللغة والنص ، كما انها تهاجم الثقافة الابوية القائمة على الرمزية اللاكانية ومركزية اللوغو لدريدا (Derrida’s Logocentrism) ؛ ففي مقالتها الشهيرة ” Sorties” (1975) والتي تعني من بين أشياء آخرى بالفرنسية : ” مفترق طرق ، أو الافلات ، أو النجاة ، أو بمعناها العسكري هجمة المُحاصَرين ” ، حيث تبدأ المقالة بالثنائيات التالية : أين هي : الفعل / اللافعل الشمس / القمر الثقافة / الحضارة الليل / النهار أم / أب رأس / قلب مفهومة / حساسة لوغوس (لغة) / احساس (عاطفة) شكل ، محدب ، خطوة ، تطور ، بذرة ، تقدم . مادة ، مقعر ، أرض ، ماذا يدعم الخطوة ، وعاء . رجـل امرأة (9) ان نظرية قائمة على نموذج ثقافة المرأة تتيح معرفة الطرق التي تستخدمها الكاتبة لخلق مفاهيم حول جسدها ووظائفها الجنسانية / النصانية والحياتية ترتبط بشكل دقيق ببيئتها الثقافية ، بمعنى ان النفس الأنثوية يمكن دراستها كنتاج أو تركيب متواشج من قوى ثقافية أو بيئية: مثل الابعاد الاجتماعية ، مدلولات اللغة واستخدامها ، تشكيل السلوك اللغوي ، والمثل الثقافية المحيطة بها . فالنظرية الثقافية تعترف بوجود اختلافات بين النساء ككاتبات من حيث : الطبقة ، العرق ، الجنسية والتاريخ وهذه محددات أدبية مهمة بأهمية الجنوسة . مع ذلك فإن ثقافة المرأة تشكل خبرة جمعية (Collective) ضمن الثقافة ككل تستوعب الكاتبات كافة في زمن ومكان واحد بآصرة تجعل مقاربة ثقافة المرأة على مفترق طرق عن نظريات عقد النقص والتعويض والتبعية وبعيدا عن المقاربة الماركسية للسلطة الثقافية (10). بهذا المنظور يقدم البحث تحليلا نصيا لقصيدة ” قصيدة العراق ” للشاعرة بشرى البستاني . II ليس بعيدا عن الجنوسة والاحساس بها ، تؤكد معظم الشاعرات الانكليزيات مثل مي سوينسون وهيلدا دوولتل ومارج بيرسي وآن سيكستون ، على سبيل المثال لا الحصر ، ان قصائدهن ما هي الا تعبير عن عالمهن الداخلي أو ذواتهن التي يجب ان تتعرى ليتم فضح المسكوت عنه وان القصيدة هي الأنثى بعينها ، فالقصيدة بالنسبة لهن تتلخص بانها الجسد الأنثوي المنتهك النازف يقطر دماً تماما كما تنزف النفس الأنثوية حبرا ، وتقول دوولتل ” لدي حبرا وليس قلما ” وبالطريقة نفسها تقول الشاعرة آن سيكستون ان قصائدها ” ترشح كما في الإجهاض ” ، اما الفنانة فريدة كاهلو والتي تقدم نفسها وكـأنها مشدودة بحبال– وهي اوردتها وشرايينها – ولكنها ايضا فنها في الرسم ، ان إبداعها يسهم في دعم جروحها وتثخينها (11) ، إذن فالإبداع عند المرأة المبدعة عملية خلق مجهدة ومؤلمة وجارحة . ففي قصيدة ” أغنية الصباح ” تصف الشاعرة سلفيا بلاث عملية كتابة القصيدة بالولادة وان الطفل الوليد هو القصيدة (12) . وعليه فالقصيدة عند الشاعرة هي الجرح وهي الدم وهي الألم . اذن فالجنسانية الأنثوية (Female Sexuality) تماثل وتطابق النصانية (Textuality) التي تنتجها المبدعات . ان المركزية النسوية (Gynocentrism) – وهو مصطلح أوجدته الناقدة النسوية إيلين شولتر لمواجهة مركزية اللوغو (Logocentrism) الذي أعطى الذكر مركزية الكون انما هو محاولة لخلق شعرية نسوية (Feminist Poetics) مستقلة لبناء ” اطار انثوي لمقاربة أدب المرأة وإيجاد معايير قائمة على دراسة التجربة النسوية بعيدا عن الاعتماد على تقاليد ونظريات ونماذج ذكورية “، ان المركزية النسوية ” مرتبطة بالبحث النسوي في تاريخ النساء، علم الانسان – النسوي ، علم النفس النسوي ، وعلم الاجتماع النسوي ” (13) . III ان شعرية الجنوسة الخاصة بشاعرتنا بشرى البستاني ليست قائمة على السيرة الذاتية (Autobiography) أو الاعترافية (Confessionalism) ، ولا على التعليمية (Didacticism) بمضامينها الايديولوجية ، بالرغم من تناولها مختلف القضايا السياسية كثيما لقصيدة ” قصيدة العراق ” ، انها تقدم ثنائيات العلاقة بين الشاعرة والإرث العربي ، الشاعرة وذات الشاعرة والانسان / والحياة والمستقبل ، الشاعرة والقارئ ، وبين القارئ والقصيدة ، كما انها تقدم نفسها ضمن بيئتها الثقافية والتاريخية زماناً وفضاءً وارثاً . وتتميز شعرية الجنوسة في ” قصيدة العراق ” بالنسق السردي المتناوب مع الوجداني – الغنائي المبنيين على كثافة المخزون من الاشارات الكامنة في وجدان العربي التي تستفزها الشاعرة باقتحام المحظور من الاحساسيس والوقائع الحسية التي تشكل قوام النص ؛ ان صميمية استذكار الماضي المنتزعة من صميم الوعي بالحاضر السلبي الخامل لا يلبث ان يسفر عن بروز شفافية تتجاوز الاطار الذاتي المحدود لتلتحم بالقضية العربية التي هي قضية الملايين من البشر على أرض شاسعة وفي مرحلة معينة من هذا الزمن ، انها قضية الانسان بكل عذاباتها وتشرذمها . وعليه ينصب اهتمام هذه المقاربة على إيجاد نقاط التقاء بين الشاعرة وشعرية الهوية الأنثوية وارتباطها بثيما الوطنية (Nationalism) وبين شعريتها المأجنسة (Gendered Poetics) والتي تمتد إلى أفق خارج حدود الذاتية وتقدم صوتا بعيدا عن التطرف وعن ادعاء تبني الحقيقة المجردة متخذة موفقا يتسم بالعمق السياسي العام للشاعرة كشخصية وطنية ؛ تخاطب شاعرتنا الجمهور بشكل مباشر حول قضايا تمتد من الذاتية العامة لتخرج منها نحو قضايا ذات أهمية موقفية من دون وضع نفسها خبيرا بها . تنطلق الشاعرة من جروحها ، اضطهادها ، رهابها ، وخوفها وربما شللها وهي سلبيات أنثوية تفعل فعل ارتكاز في النقد التحليلي النسوي وعليه تكون القصيدة هي جرح الشاعرة وهي جسدها المتألم المفروش على الورق ومرسوم بشكل قصيدة ؛ إذن فالمرأة هي القصيدة والقصيدة هي المرأة . نبدأ بالعنوان ” قصيدة العراق ” وهي ” المفتاح التأويلي للنص ” كما يقول امبرتو ايكو (14) ؛ إذن فشعرية ” قصيدة العراق ” تكون ” امرأة العراق ” ، ” جرح العراق ” ، ” جسد العراق ” ، ” قصيدة امرأة ” ، وهي ما تبكي انتهاكه ونزفه شاعرتنا الكبيرة بشرى البستاني عندما يتماهى الوطن / العراق مع الشاعرة . إذن فالشاعرة تصبح هي العراق بعينه، الوطن النازف المنتهك ، ومدلولات ذلك اجتماعيا ودينيا في نظر العربي والمسلم . تبدأ ” قصيدة العراق ” بصوت جوي سماوي وهو صوت الطيور الجمعي القادم من فوق موجعا بالظمأ من خلال مفردة ” يلوب ” بصيغة المضارع المستمر : تلوب الطيور الجبال ، الجبال وهذا الصوت انثوي الهوية من خلال حالة الجمع ” الطيور ” ، نفهم انه لا بد من وجود مستمع ، بيد ان التركيز على الجبال وهي دلالة أنثوية أخرى تجعل المقطع الأول من القصيدة طافحا بالأنوثة المجروحة الباكية ، غير ان الفعل الأنثوي بما فيه من دلال وغنج يشي بفعالية الأنوثة واستمرارها الحياتي : الجبال تورّقني وتلف بأغصانها جرح روحي ، الجبال صبايا ، تجزّ ضفائرها الطائرات فأجمع عنها شظايا القنابل امسح وجنتها ، إن الدالات ” أغصانها ” ، ” صبايا ” ، ” ضفائرها ” ، ” وجنتها ” هي الجسد الأنثوي أو هي أجزاء من الجسد الأنثوي تهمس للقارئ بان الموضوع انثوي ؛ ولعل مفردة ” صبايا ” أكثر من غيرها إثارة لخيال المتلقي الذكر بما تحمله من التاريخ سري وعلني ، وعلى أية حال فهي إرهاصات ومكابدات الذات الشاعرة؛ وهذه المراوغة الشعرية بتحويل الذكري المفرد إلى جمع أنثوي : الطيور ، الجبال, تستمر في المقاطع الآتية : فتسيل الغيوم على مهلها … فوق ورود الصباح والجبال حيارى الجبال التي شردتني الجبال التي هجرتني وأهجرها ، وأحن إليها ، فتبكي جروحي وانسى الذي كان ما بيننا من ملام … وهنا تبرز هوية المتكلم الذكر وهو يصف وقع الاتحاد الجسدي بين الذكورة والأنوثة : الوطن والجبال الأنثى ، ليأتي رد الفعل في مجازات تنم عن الحب بكل معانيه الرفيعة الخالدة بصوت الأنثى : والجبال تلوب العراق ، العراق ، العراق متاحف نخل ، مرايا، وعاج وأروقة من لجين ، وأزمنة من دم، وأكف تدق رتاج العصور فتنهض إنسا وجان وتعدو الفيالق وتعدو البيارق تعدو الخيول وهذا الصوت الأنثوي الآن وهو يتغزل بالعراق يقدم بانوراما مجازية لتاريخ العراق وروعته الجمالية وثرائه الذي لا ينضب ، وتستمر الصور بالتراكم الواحدة فوق الأخرى بأنساق تصويرية متسلسلة رائعة ابتدأت في المقطع السابق من واقع حال العراق المادي والطافح بالكنوز الثرية ، إلى تاريخه الحضاري المتألق ، ثم إلى صور تجريدية تضيف المزيد من الثراء الفكري لهذا الوطن العظيم كما تراه الشاعرة وكما يعرفه جمهور القراء ، قائلة : والعراق الرؤى ، والأمان ، العراق الأماني العراق حديقة روحي والعراق هنا عندما يتحول إلى حديقة يتخذ هوية أنثوية ليستمر مسلسل التأنيث في القصيدة ، وهنا تتخذ الحديقة صورة الأم الحانية / الأرض ، ذلك الكيان الجغرافي : العراق حديقة روحي تضم إليها غيوما ، وبرقا ، وأزمنةً من لظى وجداول شهدٍ تشق التراب ان هذه الجملة الأسمية “( العراق حديقة روحي )” التي تحمل دلالة الثبوت والاستقرار والوثوقية وكثيرا من الحميمية والحب لا تفصح عن خصب العراق فحسب بل هي تفصح عن خصب أنوثتها كذلك إذ يتحول الوطن في داخلها إلى حديقة والحديقة من الرياض : كل أرض استدارت واحدق بها حاجز ، والحديقة كل أرض ذات شجر مثمر ونخيل وقيل هي البستان وكل بستان كان عليه حائط فهو حديقة (15) ، والحائط من الحرز والمنعة ويحقق الأمان والحماية ، وفي الحديقة معنى الاستدارة انها في هذا النص تعني استدارة الحياة وتكاملها وخصبها وتوفر عوامل الايجاب فيها … انها اعتراف بعيد الفوز بحب يسمو ويتسع ويثرى ويتلون بغنى وشمول ، والحديقة من الحدق والحدق : السواد المستدير وسط العين ظاهرا ، وفي الباطن هي خرزتها وجوهر الابصار فيها … هكذا يكتسب الاعتراف بالحب ابعاده الجوهرية ليشكل ركائز الحياة الاساسية : الخصب ، الابصار ، الرؤية ، وبمباهج الحيوية وحركية الجذب : شجر ملتف وثمر وألوان وغيوم حبلى بكل ما هو جميل ومعطاء ، اعتراف لا يصدر الا عن الأنثى .. فقد تعودنا من الشعر الذكوري ان نخاطب الأوطان خطاب القوة والعنف والسلاح ، لكن ما تبوح به المرأة يبدو خطابا وطنيا دلاليا صميميا جديدا ، خطابا يحركه حب جمالي من نوع جديد : والعراق حديقة روحي ، حيث يتوفر لهذا الحب كل عوامل الديمومة والاستمرار والتواصل ماديا ومعنويا : من الثراء إلى المسرة والانشراح حيث يتحقق الانسجام النفسي من خلال حلول الوطن – الحديقة – في روح الشاعرة التي تتسم بالانفتاح والشمولية واللاحدود . ثم يستمر التأكيد على أنوثة العراق من اجل تحطيم ذلك الحد الفاصل بين الذكورة والأنوثة كما يراها التحليل التقويضي / التفكيكي ، وتلجأ الشاعرة إلى اسلوب الاختزال ، إذ تكون أكثر الأشياء حميمية وشفافية ومحدودية في الخبر المكاني (عباءة أمي + ثوب العذارى) وطنا مسكونا بشعرية الأنوثة ، حيث تؤكد الشاعرة بلسان الجبال / الأنثى قائلة : والعراق عباءة أمي ، وثوب العذارى اللواتي يمتن على السفح ، من ظمأ واغتراب وبهذا المقطع تلخص الشاعرة كل تاريخ الاضطهاد الذي عانته المرأة ومازالت في المجتمع الأبوي ، لتحيل العراق / الملاذ من كل ذلك ، بل انها تُسِقط مشاكل الأنثى على العراق . ثم تأتي مساحة من الورق البيضاء لتدل على المسكوت عنه عند هذه النقطة ، وبذلك تقول الكثير من خلال ذلك الصمت البليغ ، وهي من تقاليد الكتابة الأنثوية ؛ فالمسكوت عنه هنا يبدأ بمفردتين تختصران مكابدات المرأة ” ظمأ واغتراب ” وأي مرأة ” العذارى / اللواتي يمتن على السفح ” ؛ والسفح هنا جزء من الكل وهو الجبال ، والسفح منحدر الجبل مما يلي القمة إلى الاسفل واشارته هنا حيزا للصبايا انما يعني التهميش الموقعي ماديا ومعنويا مما يؤدي بهن إلى الظمأ والاغتراب فالموت ، وموت الأنوثة هنا متحقق اذن بعوامل خارجية قمعية هي (الظمأ …) ينتج عنها عوامل داخلية تتمثل بـ (الاغتراب) وموت الصبايا يتشظى ليشمل كل انواع التغييب والازاحة والاعاقة بما يبعد الانوثة عن القمة موطن الذكور وحدهم ، وفعل الموت بصيغة المضارع المستمر دليل على استمرار عوامل ازاحة الانوثة عن موقع صنع القرار وفاعلية الاختيار وهذا تأكيد على ملاذ المرأة المتمثل بالوطن . والجبال هي عنوان التوازن في الأرض واذ فقدت فاعليتها في هذه المنطقة من العالم قد اشاع ذلك الفقدان الارباك والاضطراب وجلبها عرضة لاقتحام الاخر ، لذلك ففي فاعلية الجبال تماسك وأمان ونعيم وفي غيابها سياط وجحيم ولوعة . يمكن اعتبار ما تقدم مقدمة لكل ما تحتويه مقاطع القصيدة التالية حيث يمكن تقسيم الجزء المتن الذي يبدأ بانتهاء المقطع اعلاه إلى سبعة اقسام قائمة على استخدام ” يـا ” النداء للعودة كل حين إلى التأكيد على العراق بمجازات تصويرية ممتدة ، فثمة حميّة خاصة بصوت الأنثى تتقمصها وهي تهتف مستصرخة مستنهضة وهي تخلق ذاك التوازي بين هذه المقاطع السبعة التي تبدأ كل منها بياء النداء ، والنداء هنا ليس هتافا انه نزف داخلي يتسم بالهدوء ، انه ذراعة ونجوى وابتهالات والمقاطع هنا تشكل عنصرا هارمونيا في موسيقى القصيدة لانها تعد وقفات وانتقالات في آن واحد ، من تفعيلة لاخرى ومن بحر عروضي لاخر ، وما يتبع ذلك من انعطافات دلالية ، حيث تقول : ” يا قمر الجبال ” ” يا قمر المنفى ” ” فيا شجرا لا يهادن ” ” يا قمر البستان ” ” يا قمر الجبال ” ” يا قمر المنفى ” ” يا قمر الصحراء ” في المقطع التالي من القصيدة تؤكد الشاعرة ثانية على البلسم الذي يقدمه العراق لجروح الأنثى ، لجروح العذارى ، وهي تقدم له دعوه للحياة ببهاء قائلة : يا قمر الجبال عرج على السفوح فوجهك الأبهى يطلع في الجروح ان مفردة ” القمر ” في تاريخ الشعر الانساني هي رمز الإلهام وهو بالنسبة للشاعرة هنا ” قمر الجبال ” هو الوطن الملهم المداوي للجروح والمساعد على خصوبة العملية الإبداعية التي هي ولادة بدليل ذكر ” البذور ” و الطّلع ، والقمر في الشعر العربي رمز للرجل الفارس، الرجل الكامل الرجولة نبلا وكرما وشجاعة وفروسية ، وفي اضافة (قمر) إلى (الجبال) بعد حرف النداء تصميم على التحام الأنوثة برمز حبها (الوطن) ويكتمل المشهد الشعري الخصب الذي تغرسه بالتكرار في ذهن المتلقي ، فمعجم الشاعرة حافل بما يشير إلى الولادة والتبشير بالآتي المحمل بالعلامات الايجابية ، كما في المقطع اللاحق : يا قمر المنفى عرّج على الحقول فوجهك الأبهى يولد في البذور .. ان التحولات التي تجري على القمر هي تحولات تتم من خلال تحولات المضاف اليه من جبل إلى منفى إلى بستان إلى صحراء وكلها استبدالات تحفظ للقمر بهاءه وضرورة حضوره .. تقول بشرى البستاني : ان المرأة الواعية لا تقارع الرجل في حركة الحياة ، فالرجل ليس عدوها وانما عدوها الأول والأخير هو التخلف ، والرجل الواعي يؤازرها ويعاضدها في هذه المعركة الشرسة (16) . وتنهي هذا المقطع بنقطتين وهي تحيل المسكوت عنه إلى ولادة تجري في الحقول ؛ وتؤكد ان العراق – حتى لو كان بعيدا جغرافيا – فهو يبقى قمرا للمغتربين للمنفيين بعيدا عنه، يبقى الملهم الخصب ، وتصبح مخاطبته أكثر قربا عندما تستخدم الجزء للدلالة على الكل وهو ” شجر ” العراق مؤكدة على تميّزه الطبيعي بانه هو من يستفز الرياح كما أراد بفعاليته وليس العكس ، فتحقق بذلك بلاغة المفارقة مستوىً آخر من بلاغة الخطاب الشعري بمؤازرة بنيتين أسلوبيتين : النداء والاستفهام فضلا عن تداخل السردي في الشعري ، فتقول معاتبة : فيا شجراً لا يهادن، يا شجراً يستفز الرياح لماذا فتحت النوافذ ، والشمس داكنة والعيون قميئة لماذا توضأت بالدم . بالأمنيات ، ودهرك أعجز من باقل والعدو يهدهد صبيانه والرياح تسير بما يشتهي القتلة .. أنت علمتني أن أموت كما ينبغي وألبي الحياة إذا انبلجت قنبلة فلماذا ذهبت وخليتني ولماذا عبرت إلى جهة أنا أجهلها وفي هذا المقطع تورد الشاعرة الكثير من الاحداث الوطنية التي مرت بالعراق الثائر برغم اللوم الذي توجهه إلى ملوم مسكوت عنه وهم الحكام عندما انحرفوا إلى جهة غير الجهة المتوقعة منهم عندما اختاروا مكانا للحرب غير المكان الذي يجب والوقت غير المناسب حيث صمت صغار الحكام ” الصبيان ” والتحذير واللوم الذي انهال عليهم من العدو ومن وقوف الدهر ضدهم بالسكوت ، وهنا تذكرهم بما مضى من المفاهيم الوطنية التي تربت عليها ومنها الوحدة العربية التي تحولت إلى تشرذم وتشتت لم يسبق لهما مثيل : في الطريق إلى مكة عيرتني القوافل أن سأموت بلا كفن أو سدور .. وفي المغرب العربي وجدت ثيابي معلقة فوق صارية، وثيابي على جبل الشيخ في الشام منشورة فوق جبل يخط حدود هوية أهلي وبتقديم هذه الصور الشعرية المتوالية والتي تشي بثقافة قومية مختمرة في وجدان الشاعرة كونها مستمدة من الإرث العربي ومن وعي وطني وحس تاريخي عميقين ، فهي تعبر عن العار الذي جلبه ، فالثياب هنا تعطي دلالة أنثوية سلبية وهي تمثل الشرف العربي المنتهك وهذا العار منشور من أقصى الوطن إلى أقصاه من ” المغرب العربي ” حتى ” الشام ” وتسترسل الشاعرة في استعراض آلام الوطن وآلامها وهنا تقول وهي تحس ان صوت المتكلم هو له بعد هذه الاطالة في الكلام حيث تتماهى في أذهاننا أصوات : الجبال / الشاعرة ، الجبال / الذات الشاعرة ، الجبال / الوطن ، وهذه الاطالة انما هي تعبير عن التوتر الذي يشوب الجملة الشعرية والمتكلمة على حد سواء ، قائلة : بين البنفسج والنار ، بين المدى والقتيل .. هناك وجدتك تبتاع خبزا لورد العراق وتنحت صخرا لأحلامه ان البنفسج تقليديا ونفسيا رمز للهدوء والتفكير ، فبين هذه الحالة وحالة الانفعال المتمثلة بالنار ، وبين عقد النيّة المتمثلة بـ ” المدى ” و ” القتيل ” وهي أكثر انفعالا وتوترا فإن الذات المتكلمة تؤكد مراقبتها للمشهد ووعيها التام وقدرتها على تحليل الموقف إذ تعبر عن استغرابها من تصرف من بيدهم القرار حيث ان ورود كلمة ” العراق ” حين دخل حالة الحصار التام والشامل وتحول من موقع القائد الثائر إلى باحث عن لقمة العيش كما ارادت له قوى الشر العالمي والمتعاونون معها من العرب ، وهنا تؤشر انعطافة في السرد للفعل الذي قام به أولئك عندما رسموا عظمة الحلم العربي ، لكنها لا تنسى وضع اللوم على الآخرين فالوسطية التي يتخذها الوطن الكبير بين السلم ” البنفسج ” و الحرب ” النار ” ، بين ” المدى والقتيل ” تفضي إلى انكسارات ومكابدات وصمت وألم مسكوت عنه : نسي النيل ما كان ، آفة هذا الزمان التذكر آفته الموت فوق حجارة أمس تبلّد ؛ وتعود الشاعرة وهنا يظهر تماهي صوتها بصوت الوطن الذي ما انفك يعبر عن حيويته عندما تبث الشاعرة الحياة فيه لتعطيه صوتها تتكلم من خلاله : تلك الجبال الجبال ، الجبال طيورٌ تكابد .. ان الجبال هي عنوان التوازن في الأرض ، وبهذه العودة إلى بداية القصيدة : ” تلوب الطيور! / الجبال ، الجبال ” حيث التأكيد على نوع آخر من التماهي الان بين الوطن المتكلم بصوت الشاعرة وبالجبال والجبال بالطيور لينهض المسكوت عنه من خلال الحذف المقصود لتترك القارئ ملء فراغ هذه المكابدة : انها مكابدة الشاعرة / الوطن / الجبال / الطيور …. ويستمر تراكم الصور المنتزعة من الطبيعة في تشكيل فني لهوية النص وانفتاحه على مستويين : الأرضي كـ (حقول) والسماوي (قمر) : مناف حصونٌ ، حقولٌ من الزعتر المر نعناعها كرم الأرض شحّتها، قمر الأرض ، لوعتها والجبال الجحيمُ ، الجبال النعيمُ ، الجبال سياطٌ تغالبْ .. تهادنني، لا أهادن والجبال المنارات : خضراء ، حمراء ، سود .. وهذه تبتعث ألوان العلم العراقي في مخيلتنا : خضراء الروابي ، حمراء المواضي، وسود المواقع وذلك ما يملأه الفراغ المكسوت عنه هنا ؛ وتستمر الشاعرة في رسم اللوحة التشكيلية : والجبال : القبابُ ، الوعول ، المرايا .. مراكب تسرحُ في الغيم ، تبحث عن لوعةٍ ، ولظىً يسعان هواها .. ان القرآن الكريم يشبه المراكب بالجبال والتناص هنا يقلب التشبيه بما يلائم السياق (وله الجواري المنشأت في البحر كالأعلام) (سورة الرحمن ، الآية24) . ان هذا الامتداد يذكرنا بامتداد نفس الشاعر الامريكي وولت ويتمان في قصيدته ” أغنية ذاتي ” أو “Song of Myself” عندما تتوسع لتشمل الأرض والزرع والفصول والولايات والشعوب والحاضر والمستقبل وكل شيء أمريكي يتحول إلى عالمي – كوني (Universal) وهو جزء من الحلم الامريكي الذي ما يلبث ان يتهاوى امام فساد المفسدين ؛ هكذا رأت الشاعرة وطنها المعتدى عليه ، رأته يتسع ويمتد ويثرى ويتلون حتى ان كل جزء في العراق وكل حبة رمل وعشب وشجيرة يتحول إلى عالمي – كوني في الخارج ، ويتحول إلى أثيري – روحي – وجدي – عبيري في الداخل ، واذا كانوا قد اقتطفوا جباله عن بقية اجزائه فإن شعرها قادر على توحيده مرة اخرى ، إذ يبدو العراق في نص القصيدة موحدا بجراحه ، وبالرغم من دمه النازف فانه يعدو نحو الغد ؛ وبالرغم من عدم وجود أي دليل على إلمام شاعرتنا بهذه الثيما الا ان امتداد نفس المتكلمة تقع ضمن الدائرة نفسها ، ولكن مع اختلاف الجنوسة ، فهنا يكون بتوسع الذات الأنثوية وامتلائها بكل ما يرمز اليه الوطن / الأنوثة ؛ انها حالة صوفية راقية من التوحد بذات الوطن / الرجل . ولكن ما تلبث ان تعود إلى أرض الواقع المرير : تؤرجحني .. أتهاوى إلى القاع ، أصعد عبر الجذوع أرى ذمما تشتري وشعوبا تبتاع وأبصر تاريخ حبي على السنديان ممالك أهلي وتيجانهم ونضار خطاهم وأزمانهم وتتخذ موقعا راصدا ومغذيا ورافدا ” عبر الجذوع ” حيث ترقب الخونة وترسم ما ترى من احباطات مُذكّرة بتيجان الأفعال والأزمان العربية المجيدة ؛ وتأتي إشارة تاريخية في رؤى الشاعرة محذرة من عودة أبرهة الذي يتربص بالأمة / الأنثى الدوائر مقتربا من سفوح الجبال والتي عرّفتها منذ بداية القصيدة على انها مكان ” العذارى ” حيث ” يمتن ” ، وحيث تصير العذراء – مكة واحدة من قتيلات الاستلاب وضحايا العصر : فتلوب الكهوف وتشعل أنيابَ فيلٍ تمرد .. أبرهة لا ينام ، يفتش عن باب مكة بين السفوح والجبال ملاعب أهلي .. أحس دبيب سواهم على قمةٍ ، هي وردة روحي على ربوة هي جرح الضفاف التي طهرتني ان (الياء) وهي ضمير المتكلم الأنثى – الأمة تعاود فعاليتها في الحضور والتأثير معلنة هيمنتها برغم ضراوة حالة السلب . ثم تسترسل الذات الشاعرة / الجبال في استعراض بانوراما تاريخ العرب والعراق بتحول تناصي سلبي يطغى على حاضر الوطن الكبير من ” تاريخ آشور ” و ” كلكامش ” و ” الحدأة ” ؛ والحداة والمفردة الحادي وهو الذي يقود القوافل ويقرا لهم شعراً؛ وفي حاضر الأمة : الحداة يصيحون بالمدلجين الذين يجزّون شعر الغزال الغزال مسجى على قاع رمل الخليج ولا يجدي تحذير الحداة للمجرمين الذين يقودون الشعوب إلى التهلكة والدمار ، انهم يتآمرون على ” الغزال ” وهو هنا ” العراق ” بدلالة موقعه الجغرافي ” الخليج ” ؛ الا ان الوطن يأبى الا ان ينهض من موته الذي يصبح ولادة بتشجيع من المرأة : يا قمر البستان عرج على الشرفة فوجهك الفتّان يموت في سعفة يا قمر الجبال عرج على السفوح فوجهك الفتّان يولد في الجروح .. .. ان الإشارة البارزة المتكررة مرتين في المقطع نفسه هي ” القمر ” مصدر الإلهام ، ورمز الرجولة النبيلة وليس ذكورة القمع وبربط ذلك بـ ” حديقة روحي ” المتكررة سابقا تحيل هذا المقطع إلى تجربة صوفية جديدة ؛ وهنا دعوة مستمرة لاستنهاض الوطن فالظاهرة الشعرية هي التوازي الواضح بين ” الشرفة ” و ” السعفة ” و ” السفوح ” و ” الجروح ” مع تكرار ” فوجهك الفتّان ” مرتين بالتوازي مع ” يا قمر ” تتيح للوطن الولوج من الشرفة ، من السعفة نحو ” السفوح ” لاشفاء الجروح ، ” جروح العذارى ” ” اللواتي يمتن ” هناك من ” ظمأ وجوع ” ؛ اما الوجه الذي تتصوره الشاعرة هو صورة ” تجسيمية ” نابعة من ” تصور وبلاغة وحشو ” حيث ” تجسّد قداستها في التصوير ” (17) ؛ إذن فقضية الوطن هي قضية الأنثى / العذارى . وهكذا عندما تصل القصيدة إلى قمة الشعور بالحزن ينهض الفن والشعر ليعوض عن عذاب الواقع ليلتفت إلى رمز الحياة والحب والتواصل والخصوبة وتقوم ياء النداء بفعل مهم وهو بصوت الأنثى الذي يدعو إلى الاندماج ، فالموت في سعفة نخيل العراق بالنسبة للعرب والعراق على وجه الخصوص هو رمز للأمومة فهي تشبه الأم بتكاثرها البايولوجي بالفسائل ، لذا فهي رمز لاستمرار الحياة فضلا عن كونها ملجأ أمينا للعراقي الذي يلوذ بها من وطأة حر الشمس وهي شجرة الصمود ورمز الخلود ، لذلك فالموت في سعفها انما هو ولادة ، وهذا ما يتأكد في الصورة التالية من ولادة وجه العراق في الجروح . في المقطع التالي تخلق الشاعرة تناصا بنيويا بالإشارة إلى التلميح التاريخي (Historical Allusion) إلى هجوم التتر – هولاكو وتواطؤ العلقمي معهم ذلك الذي سلمهم مفاتيح بغداد لتتبعه بمقطع آخر من الحاضر العربي المليء بالخيانة والخونة في تركيب تصويري(Imagist )بمونتاج سينمائي – أو تشكيلي كولاج ، صورة فوق صورة ((Superpositionبتداخل نصي وتعالق حواري على رأي باختين (Dialoguic) ويسري المقطعان كالآتي : وشريفهم في الليل ، يضرب كفه ماذا سنفعل دونما تترٍ همو وعدوا سيأتون العشية والعلقمي إذا تآخر ، من سنعطيه مفاتيح القضية يختضّ تاريخ الرماح على ظهور علوجهم ترتج أحذية التتار ، على سفوح جباههم يا ويل ماضيهم من الآتي .. وآتيهم من الأصنام والأزلام ، والزمن المضرج بالأسى ، ومجازر التفاح هذا البحر غربانٌ ، وأوحالٌ ، ودمْ . في هذه الصور الممنتجة المركبة الواحدة فوق الأخرى لغرض المقارنة حيث تبتكر الشاعرة تناصا سلبيا لاضافة الرهبة المشحونة بالاشمئزاز من (شرفاء القادة) الحاليين لتبرّز المسكوت عنه بشعرية مفعمة بهواجس الأنثى من الخونة الذين هم كثر من بين من يمتلكون مفاتيح قضايا الأمة ليعطوها كما فعل العلقمي لأعداء الأمة عن سابق اصرار وترصد، انها العمالة المسكوت عنها المتواطئة مع الأعداء لاغتيال الأمة بالمجازر المعلنة وغير المعلنة حتى صار كل بحر تضمه خارطة العرب مملوءاً بالغربان وهم عدة وعتاد وطائرات وقادة العدو ممرغون بالخزي والاوحال ودماء الشعب العربي . وتسترسل الشاعرة في استعراض صور لخيانة الحكام باستضافة العدو في مياهنا وخلجاننا وفوق أراضينا ، لكن فجر العرب يأبى الا ان يبحث عن متنفس موحيا بانه لم يختنق بها : ومراكبٌ تهوي ، وأخرى تحتدمْ .. والبحر أهدى الفجر قبعةً ، وراح .. لم يستبح ورد الطفولة ، بانبلاج الأفق كان البحر يؤمنٌ بالخطيئة ، بالرياح باللعنة الكبرى ، وبالوطن المباح ان الزمن اذن بحاجة إلى الانحراف عن السكونية والخنوع وما عليه الا ان يؤمن بالخطيئة ان كانت الصورة خطيئة كما صورها الاخرون . ان دعوة البحر هنا هي دعوة إلى المستقبل المنفتح عن الحياة ، دعوة إلى الايمان بكل ما يقلق المستبد : ان تستبيح الثورة – الخطيئة الرياح ، اللعنة الكبرى – الوطن لتنهض به نحو طرق الخلاص . وتقف القصيدة طويلا مع البحر : البحر العربي ، الاحمر ، المتوسط وهي ما تحيط خارطة العرب وكلها تلوذ بالأمل المتمثل بـ ” ورد الطفولة ” وبالتغيير الذي ترمز له الرياح ، وتستعرض الشاعرة جوانب من الخطايا , الحقيقة المسكوت عنها بسيميائيات وتناصات متوالية ، قائلة : أبواب حيفا مذ خرجنا .. ظلت مفتحة لأسراب النميمة .. سفر الجريمة أينعت أغصانه، وعناكب الديجور ، تحجب في الربى ورد الصباح .. ماذا ستعطيك الحياة.. النار أشعلت السنابل في الحقول ونارهم غرّاء ، لا تؤذي القتيل ، حضارةٌ زهراءُ من دمنا أكفهمو تسيلُ ، فلا تمت في القيظ لا ماء ولا خبزٌ ولا قمرٌ ظليل ثم تعود لتذكر الوطن بكل عوامل الحياة المتوفرة فيه ، وعوامل الولادة الكثيرة : السنديانة ، العرش ، الطفولة ، الرمان وزهرهُ ، ماءٌ ويمامٌ وأجنحة إذ تطرح القصيدة تواصلا ناتجا عن الدعوة إلى تلاحم السنديانة (الانوثة) بالمخاطب والتحذير من اللعب على المبادئ والتواصل الانساني (تاج الطفولة) : أعطتك هذي السنديانةُ ذاتَها ، وهبتك عرشاً يستريحُ ، ولا يرُيحُ ، فلا تبع تاج الطفولة ، فالجبال هي الجبال ، هي الجبال .. وشجيرة الرمان ألقت زهرها فوق الرمال .. ماء يسيل من الغصون ، إلى يمام الروح ، أجنحةٌ تحطُ على ذرى القلبِ ، الجبالُ منافذٌ للبحر ، ذاك البحر كان أذايَ، كان مظلةً سوداءَ ، كان البحر مرسالي إلى قيظ الجزيرة، وهنا تبرز شعرية استخدام الفعل الماضي والمضارع . وفي المقطع الاخير حيث يختفي الفعل الماضي لتطغى صيغة الفعل المضارع ؛ تعود إلى التوازي والتكرار لاضفاء الغنائية العالية عندما تخاطب الوطن بياء النداء مستنهضة: – يا قمر المنفى ، عرّج على البيوت .. فوجهك الأبهى ياقوتة تموت – يا قمر الصحراء عرج على الواحات .. فوجهك الوضاء يذبل في الفلاة .. أهذا زمان الرجوع ..؟ إذن .. أنت تكتبه ، ونهادن سرا يمزقنا، لا نبوح به .. نكتوي ، لا نبوح به ، ونسير إلى حيث نهوى المسير ، إلى حيث ريح الصبا غضة والمناديل آمنة ، والمنايا نذور … وهنا تنادي الشاعرة بالحاح الوطن الذي يتماهى مع الحبيب المغترب للعودة من المنفى ؛ فهي ترى فيه لون الحياة الياقوتي وتحذره ان يجبر على الموت رغم ذلك ، تدعوه للعودة من صحراء الحياة إلى الواحات وتحذره من البقاء في يد القتلة في الفلاة ، ثم تتساءل ان كان هذا هو زمان الرجوع ، ذلك الرجوع إلى الأمجاد إلى حيث عوامل الحياة ، فهي تتسائل تساؤلا بلاغيا حيث قناعتها بان كل عوامل الرجوع متوفرة في وجود زمام المبادرة بين يديه ” أنت تكتبه ” إذن فهو اعادة كتابة ، والكتابة يقين ووثوق وتاريخ وعبور نحو المستقبل ، وهنا تذكر من جديد السر الذي ” يمزقنا ” ، كل ما هو مسكوت عنه من خيانة عرب اللسان والجنسية ، ثم تؤكد المسير إلى حيث تهوى هي والحبيب / الوطن ، إلى حيث الريح التي ينتظرها العربي كي تنقذه من سكونية الواقع ، تلك الأمجاد تستعيد نضارتها غضة بلا انقطاع عن الجذور ، حيث المناديل الملوحة للوداع تصبح أمنة ، اما المنايا التي كانت مجانية فتتحول إلى نذور . ان المرأة في القصيدة تتحرك وتعبر وتفصح وتبوح بحرية ووعي بعيدا عن استلاب النظريات وعقد المنظرين ، انها صاحبة قرار لا تقف في الظل ولا تتبع الاخر ، بل تصنع رأيا وتؤشر سلبيات ، وتدرك معنى ان تكون ، وكينونتها تفصح عن نفسها بالقدرة على الانجاز والاختيار حتى في ميدان التضحية ، فجملة ” لا أهادن ” قد تعني في النهاية طريق المواجهة والتعبير عن الذات المستقلة المتحررة الناهضة لتصفية جسدية وموتا بالمعنى الذي يريدون … ان أي خطاب لا يخلو من عقد الاضطهاد الا إذا اتسعت الرؤيا ، ولا تتسع الرؤيا الا إذا تجاوزت الهموم حيزها الذاتي إلى الهم الانساني الجماعي وحينها يكبر الجرح الانثوي ليصير جرح أمة ووطن ، ان التنبؤات التي طرحتها بشرى البستاني في هذه القصيدة التي كتبت عام 1991 وفي غيرها من قصائد ديوان مكابدات الشجر والتي تحققت فعلا عام 2003 تستحق دراسة خاصة في محاولة للكشف عن الوشائج الكامنة بين النبوءة والشعر .. مرة اخرى . IV التشكيل الفني لـ ” قصيدة العراق ” : ان ” قصيدة العراق ” لوحة فنية اقرب إلى الكولاج منها إلى التصوير الوصفي ، حيث تكون الاشارات الفضائية إلى عوالم نفسية موغلة في الغموض أكثر من كونها وثيقة جغرافية للوطن العنوان الذي تحمله القصيدة ؛ أضف إلى ذلك غياب أي إشارة واضحة إلى موقع الذات الشاعرة في الفضاء الجغرافي للقصيدة ، بالفعل فإن الرؤية غير الموجهة في القصيدة تحيل إلى الكثير من التأويلات مما يؤدي إلى تمثيل عراء يستحيل تصوره واقعيا، يربط الحي بالجامد ، المرن بالساكن ، البرود بالانفعال ، اليابسة بالمياه وبالتالي انصهار هذه الثنائيات . وبتوالي القصيدة سطرا بعد سطر لا تصبح الرؤيا الجغرافية لجبال الوطن أكثر وضوحا بل انها توغل في الغور في سبر المشاهد والأصوات التي تنقلها لنا الذات الشاعرة ؛ لذلك ففي مثل هذه القصائد الكولاجية / الممنتجة تصبح الرؤيا البانورامية اشكالية وخاصة في غياب وجهة النظر والحسمية في المعنى أو الثيما . ان التأمل في مثل هذا الفن يشبه المكوث في مكان واحد والتجوال إلى عوالم أخرى في الوقت نفسه . ذلك ان الاشكال والصور والأشياء مألوفة بحد ذاتها الا ان انضمامها إلى بعضها هو الغريب حيث يسيل بعضها فوق بعض كأمواج النهر ، بذلك تكون عملية اكتمال دائرة الرؤية عملا مزعوما تعتقد خطأً انك توصلت اليه . فبشكل مراوغ تكّثفُ الشاعرة الصور في تركيبات نحوية كثيفة ومضنية كي تشبك الرؤية بين الشكل والأرض ، الخط والانسياب ، ففي المقطع الأول من القصيدة ، مثلا، يبدو كل عنصر يقف بذاته حيث ينساب في الجملة اللاحقة أو شبه الجملة التي تليه . ان كل شيء في القصيدة يكتسب حركية بالسحر الجمالي الذي يضفيه تكرار الفعل المضارع السردي ابتدءاً من ” تلوب الطيور / الجبال ، الجبال / الجبال تؤرّقني / وتلف بأغصانها جروح روحي / الجبال صبايا / تجز ضفائرها الطائرات / فأجمع عنها شظايا القنابل / أمسح وجنتها ” . وحتى المقطع الاخير : ” ونسير إلى حيث نهوى المسير ، / إلى حيث ريح الصبا غضة / والمناديل أمنة ، / والمنايا نذور … ” . ان الجبال نفسها تكتسب حركية خاصة بتحريكها كل الأشياء من حولها فهي ” تؤرّق ” ، ” تلف بأغصانها ” و ” تجز ضفائرها الطائرات ” ، وهي ” تسيل كالغيوم “… الخ، إذن فهي تسيل خلسة ” تعدو ” وما زالت الجبال تتحرك تنفعل تنتقل وتجسد حركية المسكون في مكان واحد والتجوال إلى اماكن آخرى في الوقت نفسه . ان ” قصيدة العراق ” تتوجه نحو الحركية والانفعال أكثر من الوصف الجميل الثابت . ان ” العراق ” وهو عنوان القصيدة يشبه الجبال بكل الأفعال والصفات التي اعطيت للجبال ، وهكذا تتفادى القصيدة الاستجابات العاطفية من خلال فضاء الجبال غير المستقر ومن خلال الصور الممنتجة التي تتيح الانفصال عن العاطفة الكامنة في ما وراء السطور ، فلغة القصيدة هي لغة اقرب إلى لغة العلم حيث تكون التجربة والسياق الجغرافي منفصلين ويصبح الفضاء مجرد مكان للأشياء والاحداث . ان أول ما تبدأ به القصيدة ” تلوب الطيور! / الجبال ، الجبال ” انما هي محاولة للذات الشاعرة للانفصال عن عاطفتها باسقاط فعل ” تلوب ” على الطيور وليس على الشاعرة وهكذا يتم اخفاء جنس المتكلمة ” المرأة ” وبالتالي الاختباء وراء علاقات مع عالم الأشياء ، ثم اعطاء صبغة الكونية على النص . ان فعل التسمية ، تسمية الأشياء واحالة الأفعال غير المألوفة إليها انما هي محاولة من الشاعرة الأنثى لخلق تسمية جديدة لهوية الأشياء ؛ وبخلاف ما عهدنا عليه في الرؤيا الذكورية للمرأة على انه الآخر أو الملهم ، تقوم الشاعرة بشرى البستاني بالتخلص من الصفات المعلقة تقليديا بالأنثى من اجل السيطرة عليها مثل العاطفة ، الشخصنة ، المحلي أو البيتي والخاص ، اضافة إلى محو الجسد صوفيا وبالتالي تفاعله مع بقية العالم ؛ انها تحول التمركز حول الأنثى – وهو الدارج في تقاليد الكتابة الذكورية – إلى ما هو بعيد تماما عن البشر ، وهو الجبال أو العراق ككيان معنوي ، كتجريد ترتسمه بدلالات تشكيلية حسية تخلقها في مخيلة المتلقي من خلال التوتر الذي يثيره تصويرها ؛ انها تمنح ذلك الآخر الحرية في التعبير عن نفسه في لغة الجسد ككيان ؛ فالعراق يمتد جسديا في الجبال والطيور والأوراق وصبايا العراق وغيومه وورود صباه ومتاحفه ونخله وعاجه وأروقته ، وتاريخه وازمنته وفيالقه وخيوله ورؤاه وأمانه وجداوله وأقماره ووجهه وشجره وخارطته : من مكة والمغرب العربي والشام وحتى جبل الشيخ ، والألوان : البنفسج والاحمر والاخضر والاسود … الخ . ان مسالة التحرر قضية ليست شخصية وحسب وانما هي قضية الآخر غير البشري في قصيدتها . ان من المهم ان نعرف ان ما تقصده الشاعرة ليست المقابلة أو الثنائية بين الفن والحياة ، الثقافة والطبيعة ، وانما بين طرق الوجود في هذا العالم ضمن فضاء المسكوت عنه. ان مجموعة الثيمات الوطنية والسياسية والنسوية والانسانية وغيرها مما تقدمه لنا قصائد بشرى البستاني تؤكد ان القصيدة بالنسبة لها لم تكن لغرض جمالي أو فني بحت ، لذلك فإن لقصائدها رنين يفوق رنينها الجمالي بالانغماس في القضايا العأمة والتأكيد على العلاقة الوشيجة بين النص والسياق الثقافي نابع ربما ليس فقط من اهتمامها بها وانما لكونه وسيلة لكبح الخاص ؛ وعلى الرغم من ان الشعر الوجداني (Lyric) نوع أدبي يقدم متكلما واحدا أو شخصية واحدة تكون مصدرا اوحد للرسالة التي تود القصيدة بثها ، الا ان ” قصيدة العراق ” تمزج السرد بالوجداني لتقدم روعة إبداعية لبانوراما كيانات متواشجة : المرأة / الشعر ، المرأة / الوطن ، الشعر / العراق ، الجسد الأنثوي / القصيدة . والشاعرة بشرى البستاني تمد جسرا واثقا للقارئ تساجله وتناوشه ، تحجب المسكوت عنه مرة وتظهره آخرى في كلمات حبلى وأوصاف بعيدة عن التمويه والتغييب لتجسيد الحالة التصويرية التي تمنتج الماضي المجيد والحاضر القاتم والمستقبل الواعد الاكيد . وهي إذ تمعن في استثارة القارئ واستفزازه فانها تجهد في خلق ذلك النسق التعبيري الكامن خلف الثقافة العريضة المنخرطة في جنوسة الشاعرة ودلالاتها الشعرية . انها شعرية الجنوسة ، شعرية جغرافية العراق ، شعرية تاريخ العراق وشعرية الثقة بالنفس الأنثوية . الهوامش : 1. Quoted in Patricia Meyer Spacks, The Female imagination (NY: Aron Books, 1975), P. 355. 2. Quoted in Verena Andermatt, “Helen Cixous and the Uncovery of feminine language”, Women and literature 7 (Winter), 42. 3. Christine Battersby, Gender and Genius : Towards A Feminist Aesthetics (Indiana : Up, 1991), P. 57. 4. Elaine Showalter, “Feminist Criticism in Wilderness, in Writing and Sexual Difference, ed. Elizabeth Abel (Chicago : Up, 1985), P. 17. 5. Showalter, P. 24. 6. Sandra Gilbert and Susanne Gubar, The Madwoman in the Attic : The Women Writer and the Nineteenth-Century Literary Imagination (Connecticut: New Haven, 1979), PP. 6-18. وتناقش كلبرت وكوبار المجاز الأبوي في تفسير العملية الإبداعية عند الكاتبات حيث ان ” كاتب النص هو أب وهو الجد والمنجب الجمالي له قلم بقوة توليدية قاذفة ” 7. Gilbert and Gubar, P. 50. 8. Nancy Chodorrow, “Gender Relation and Difference in Psychoanalytic Perspective”, in Future of Difference. 9. Helen Cixous, “Sorties” in Modern Criticism and Theory, ed. David Lodge (NY: Longman, 1988), PP. 287-293. 10. Showalter, P. 27. 11. انظر قصيدة ” الجرح ” لمي سوينسون ” ومازلت أشعر بك ” لمارج بيرسي و “هيلينا تروي ” لدوولتل See Susan Gubar, “The Blank Page’ and the Issues of female Creativity”, in Writing and Sexual Difference, P. 87. 12. Quated in Gubar, “The Blank Page…”, P. 88. 13. See Showalter, “Towards feminist poetics”, The New Feminist Criticism : Essays on Women’s Literature and Theory, ed. Showalter (NY: Pantheon Books, 1985), PP. 125-143. 14. نقلا عن محمد الهادي المطوي,” شعرية عنوان الساق على الساق فيما هو الفارياق ” مجلة عالم الفكر,ص 458 . 15. لسان العرب مادة حدّقَ . 16. في مقابلة مع الشاعرة في كلية الآداب – جامعة الموصل 12 تشرين الأول 2004. 17. فريد الزاهي ، الجسد والصورة والمقدس في الاسلام (المغرب : أفريقيا الشرق ، 1999) ، ص 138 . قصيدة العراق تلوب الطيور ! الجبال ، الجبال الجبال تورّقني وتلف باغصانها جرح روحي ، الجبال صبايا ، تجزّ ضفائرها الطائرات فاجمع عنها شظايا قنابل امسح وجنتها ، * فتسيل الغيوم على مهلها … فوق ورود الصباح والجبال حيارى الجبال التي شردتني الجبال التي هجرتني وأهجرها ، وأحن اليها ، فتبكي جروحي وانسى الذي كان ما بيننا من ملام … والجبال تلوب العراق ، العراق ، العراق متاحف نخل ، مرايا، وعاج وأروقة من لجين ، وأزمنة من دم، وأكف تدق رتاج العصور فتنهض إنسا وجان وتعدو الفيالق وتعدو البيارق تعدو الخيول والعراق الرؤى ، والأمان ، العراق الأماني العراق حديقة روحي تضم اليها غيوما ، وبرقا ، وأزمنة من لظى وجداول شهد تشق التراب والعراق عباءة أمي ، وثوب العذارى اللواتي يمتن على السفح ، من ظمأ واغتراب . . . – يا قمر الجبال عرج على السفوح فوجهك الأبهى يطلع في الجروح يا قمر المنفى عرّج على الحقول فوجهك الأبهى يولد في البذور .. فيا شجرا لا يهادن، يا شجر يستفز الرياح لماذا فتحت النوافذ ، والشمس داكنة والعيون قميئة لماذا توضأت بالدم . بالامنيات ، ودهرك أعجز من باقل والعدو يهدهد صبيانه والرياح تسير بما يشتهي القتلة .. أنت علمتني أن أموت كما ينبغي وألبي الحياة إذا انبلجت قنبلة فلماذا ذهبت وخليتني ولماذا عبرت إلى جهة أنا أجهلها في الطريق إلى مكة عيرتني القوافل أنا سأموت بلا كفن او سدور .. وفي المغرب العربي وجدت ثيابي معلقة فوق صارية، وثيابي على جبل الشيخ في الشام منشورة فوق جبل يخط حدود هوية أهلي بين البنفسج والنار بين المدى والقتيل هناك وجدتك تبتاع خبزا لورد العراق وتنحت صخرا لأحلامه نسي النيل ما كان ، آفة هذا الزمان التذكر آفة الموت فوق حجارة أمس تبلد ؛ تلك الجبال الجبال ، الجبال طيور تكابد .. مناف حصون ، حقول من الزعتر المر نعناعها كرم الأرض شحّتها، قمر الأرض ، لوعتها والجبال الجحيم ، الجبال النعيم ، الجبال سياط تغالب .. تهادنني، لا أهادن والجبال المنارات : خضراء ، حمراء ، سود .. والجبال : القباب ، الوعول ، المرايا .. مراكب تسرح في الغيم ، تبحث عن لوعة ، ولظى يسعان هواها .. تؤرجحني .. أتهاوى إلى القاع ، أصعد عبر الجذوع أرى ذمما تشتري وشعوبا تبتاع .. وأبصر تاريخ حبي على السنديان ممالك أهلي وتيجانهم ونضار خطاهم وأزمانهم فتلوب الكهوف وتشعل أنياب فيل تمرد .. أبرهة لا ينام ، يفتش عن باب مكة بين السفوح والجبال ملاعب أهلي .. أحس دبيب سواهم على قمة ، هي وردة روحي على ربوة هي جرح الضفاف التي طهرتني على نبع ماء .. تغوص حمامة قلبي بأغواره فأفوح شذى .. أتأرجح ما بين ليل وفجر ، وعطر ووجد ، وما بين نار ، ونار .. وفي لحظة الشوق ، ما بين شعبين ، في شجر الجوز ، في جذع لوز يخبئ تاريخ آشور ، في جنبات الصنوبر او عنفوان الشقائق ، يلتاع جلجامش ، الشر يفقأ عين الخطيئة ، تحتدم الأرض في قاع وادي العقيق ، الحداة الحداة الحداة يصيحون بالمدلجين الذين يجزّون شعر الغزال الغزال مسجى على قاع رمل الخليج – يا قمر البستان عرج على الشرفة فوجهك الفتّان يموت في سعفة يا قمر الجبال عرج على السفوح فوجهك الفتّان يولد في الجروح .. .. وشريفهم في الليل يضرب كفه ماذا سنفعل دونما تتر همو وعدوا سيأتون العشية والعلقمي إذا تأخر ، من سنعطيه مفاتيح القضية يختض تاريخ الرماح على ظهور علوجهم ترتج احذية التتار ، على سفوح جباههم يا ويل ماضيهم من الآتي .. وآتيهم من الأصنام والأزلام ، والزمن المضرج بالأسى ، ومجازر التفاح هذا البحر غربان ، وأوحال ، ودم ، ومراكب تهوي ، واخرى تحتدم .. والبحر أهدى الفجر قبعة ، وراح .. لم يستبح ورد الطفولة ، بانبلاح الأفق كلن البحر يؤمن بالخطيئة ، بالرياح باللعنة الكبرى ، وبالوطن المباح أبواب حيفا قد خرجنا .. ظلت مفتحة لأسراب النميمة .. سفر الجريمة أينعت أغصانه، وعناكب الديجور ، تحجب في الربى ورد الصباح .. ماذا ستعطيك الحياة.. النار أشعلت السنابل في الحقول ونارهم غرّاء لا تؤذي القتيل حضارة زهراء من دمنا أكفهمو تسيل ، فلا تمت في القيظ لا ماء ولا خبز ولا قمر ظليل أعطتك هذي السنديانة ذاتها ، وهبتك عرشا يستريح ، ولا يريح ، فلا تبع تاج الطفولة ، فالجبال هي الجبال ، هي الجبال .. وشجيرة الرمان ألقت زهرها فوق الرمال .. ماء يسيل من الغصون إلى يمام الروح أجنحة تحط على ذرى القلب ، الجبال منافذ للبحر ، ذاك البحر كان أذاي، كان مظلة سوداء ، كان البحر مرسالي إلى قيظ الجزيرة، – يا قمر المنفى ، عرج على البيوت .. فوجهك الأبهى ياقوتة تموت – يا قمر الصحراء عرج على الواحات .. فوجهك الوضاء يذبل في الفلاة .. أهذا زمان الرجوع ..؟ إذن .. أنت تكتبه ، ونهادن سرا يمزقنا، لا نبوح به .. نكتوي ، لا نبوح به ، ونسير إلى حيث نهوى المسير ، إلى حيث ريح الصبا غضةٌ والمناديل آمنةٌ ، والمنايا نذورْ … ***

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: