شهادة حول دور الشاعرة و الناقدة العراقية المبدعة د. بشرى البستاني.. د. هاشم يحيى الملاح

قبل أكثر من ثلاثين عاما (  سنة 1973 ) ، و بينما كنت القي محاضرة حول الهجرة النبوية الى المدينة المنورة ، و قع نظري على فتاتين جالستين بين جمهور واسع ، كله من الرجال ، فسرني ذلك منهما و أردت تحيتهما بطريقة مناسبة و أنا القي محاضرتي . فقلت إن حضور هاتين الفتاتين هذه المحاضرة يذكرني بمشاركة امرأتين من الأنصار إلى جانب ثلاثة و سبعين رجلا في مبايعة الرسول (e) ببيعة العقبة الثانية .

و بعد المحاضرة ، عرفت أن إحدى هاتين الفتاتين كانت الشاعرة المبدعة بشرى البستاني ، و قد توثقت معرفتي بها مع مرور الأيام ، وبخاصة و أنها كانت مثقفة ملتزمة بالدفاع عن قضايا الوطن و المرأة و السعي لضمان حقوقها و مشاركتها في البناء .

و اذكر أن الشاعرة بشرى البستاني دعتني للمشاركة معها في ندوة تلفزيونية بمناسبة اليوم العالمي لحقوق المرأة في حوالي عام 1975 ، وكان الحديث يدور في هذه الندوة حول مدى ما حققه الإسلام للمرأة العربية من مكتسبات في مجال المساواة و حقوق الإنسان ، و اذكر أن الآراء التي قدمت في هذه الندوة قد أزعجت بعض الأوساط الملتزمة في المدينة على الرغم من أنها كانت منسجمة مع القيم و المبادئ العليا التي جاء بها الإسلام .

أن الالتزام بالحداثة و التجديد المعرفي و ما يتبع ذلك من حقول معرفية كان بمثابة حجر الزاوية بالنسبة لنشاطات الشاعرة المبدعة بشرى البستاني في المجالات الثقافية و الاجتماعية ،و يعد ذلك مفتاحا لدراسة فكرها و توجهاتها العامة . و قد عبرت شاعرتنا عن ذلك في البحث الذي قدمته في الندوة العلمية التي أقامتها كلية العلوم السياسية في جامعة الموصل ، في نيسان 2008 ، عن حقوق المواطنة بعنوان ” مواطنة المرأة العربية من الشعار إلى مستوى القضية ” ، و كان مما جاء في هذا البحث قولها : ” إن إمكانات المرأة لا يمكن إن تتحقق ، و لا وظيفتها ، ولا دورها في حركات التحرر ، إلا من خلال استكمال قضيتين مهمتين فيما يتعلقان بذات المرأة نفسها هما : التعليم و العمل ،  فالتعليم يحررها عقليا و فكريا و نفسيا ، و العمل يحررها اقتصاديا من أية تبعية ، و يدفعها كلا ذلك إلى المشاركة بدءا من بناء ذاتها و أسرتها و يعمل على إدماجها في قضايا مجتمعها الكبرى مما يهيئها للمشاركة في صنع القرار ” .

و هنا ، تؤكد شاعرتنا الدكتورة بشرى البستاني : ” أن تحقق مواطنة المرأة حقوقا و واجبات ، و بشكل متوازن لن يتم إلا من خلال حركة جدلية تجري ضمن تيارات تحررية صاعدة من الفرد  بتربية سليمة وعادلة تمجد قيم العدل وترسخ التكافؤ عبر المجتمع إلى القمة ، و نازلة من القمة إلى الفرد عبرسلوك المجتمع . فتغير أوضاع المرأة لن يتحقق بعيدا عن تغيير وضع الرجل و الأسرة ، وعياً و ثقافة وسلوكية و تحضرا ، اعني الانتقال بالمرأة و الرجل و الأسرة و المجتمع من ممارسات ثقافة الذكورة السائدة و المتمثلة بالتسلط و العشائرية و هيمنة القرار ألذكوري ، الى ممارسة ثقافة إنسانية قائمة على الحوار و مستندة على التشاور و الموازنة بين الآراء ..”

في ضوء ما تقدم فان الدكتورة بشرى البستاني ترى ان الدعوة الى تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي ” ستظل حبرا على ورق إذا بقيت بعيدة عن مضمون الديمقراطية الاجتماعية بما يفعّّّّّّّل التوازن بين الحقوق و الواجبات بين مؤسسات و جماهير المجتمع ككل “.  و في ختام دراسة شاعرتنا الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني عن مواطنة المرأة العربية ، يبرز الهم الوطني في ظل الظروف الصعبة و القاسية التي أعقبت الاحتلال عام 2003 ، ليتقدم ما سواه و يستوعبه . لذا فقد أخذت شاعرتنا المبدعة تؤكد :” إن رياح الخطر التي هبت على الوطن مع الاحتلال جعلت الجميع مدعوين لإعادة النظر و العودة إلى مراجعة قضية المواطنة التي يجب أن يكون الولاء فيها للعراق وحده ، ولشعب العراق كله بجميع أطيافه وتنوع نسجه الذي كان دوما مصدر ثرائه ووحدته وإبداعه ،العراق الوطن ، و ما يكتنز داخله من تراث و قيم و حضارة صنعها الإنسان العراقي القديم والمعاصر ، كل العراق ، أرضا و انهارا و ثروة و تاريخا . العراق الموحد من شماله الى جنوبه ، ومن شرقه إلى غربه ،و لن تكون مواطنة المرأة و الرجل كليهما دائمة وواعية إلا إذا كانت خالصة لوجه الله والحب وحدهما لتنسحب كل الأعراف و الأطياف و الأهواء إلى الوراء و يبقى وجه الرافدين متألقا ينهل شعبه الموحد من نبع المحبة ليدحض كل الممارسات الطائفية و التشرذم و التجزئة التي تحاول العودة بالعراق إلى عصور الظلم و التخلف ” إن الدارس لدواوين الشاعرة المبدعة الدكتورة بشرى البستاني يلحظ بدون عناء انعكاس هذه الأفكار الاجتماعية و الوطنية و الإنسانية على مضامين القصائد التي حوتها هذه الدواوين ، وما عبرت عنه من مشاعر قوية متصاعدة من هموم الذات والهموم العامة المتصلة بالوطن ، والمواطن ،والانسان وما عاناه و يعانيه في ظل الحروب و الحصار و الاحتلال تقول الشاعرة في قصيدة العراق المنشورة في ديوانها  ( مكابدات الشجر ) :

” الجبال التي هجرتني

و اهجرها ،

و احن إليها ،

فتبكي جروحي

و أنسى الذي كان ما بيننا من ملام ..

و الجبال تلوبُ :

العراقُ ،

العراقُ ،

العراق متاحف نخل ٍ ،

                    مرايا ،

                    وعاج ْ،

و أروقة ٌمن لجين ٍ ،

 و أزمنة ٌ من دم ،

و اكفٌ تدق رتاج العصور ِ

فتنهض إنسا وجانْ

و تعدو الفيالقُ

و تعدو البيارقُ

تعدو   الخيولْ

و العراقُ الرؤى ،

                و الأمانُ

 العراق الأماني

                العراق حديقةُ روحي

تضم إليها غيوما ، و برقا

            و أزمنة ً من لظى

وجداول شهد ٍ تشقّ أكفّ الترابْ

و العراق عباءة أمي ،

             و ثوب العذارى ،

اللواتي يمتن على السفح

             من ظمأ و اغتراب

….”

و تقول الشاعرة المبدعة في قصيدة ” بانتظار القصف ” و هي تصور معاناة العراقيين الشديدة من قصف مدنهم و بيوتهم من قبل طائرات الأعداء :

” دقت الصافرة

                  ستأتي الصواريخ

منتصف الليل هذا

 

و بيتي كان على وشك النوم

                الياسمين غفا

                السرو كان سيغفو

على صوتها فر سرب الطيور

                 و سرب الطفولة

***************

دقت الصافرة

           هو الوقت لا ينقضي

يقطع الوقت أوردتي

و الدقائق ليست تمرُّ

تعلقني فوق حبل مدلى

تسائل :

 من سيموت باخرة الليل :

                طفلي ،

                         أخي ،

                               جارتي ..

يدُ من سوف تقطع في آخر الليل ،

               أو ساقه ،

               جسم من ستهشّم ُ

                       تلك الصواريخ ُ ..

ترمقني الشرفة الحائرة ْ …

                 تقول السجاجيدُ :

                 أخشى الحريقَ ،

يقول الجدارُ :

              خذيني ،

يلملم أركانه البيتُ ، يهمسُ ..

             لا تفزعي من نزيفي

و يأتي إليّ الشجرْ ..

و يلقي بأشجانه فوق صدري

يتمتم : أكرههمْ

اكره الموت في مائهم ..”

و تبقى الشاعرة المبدعة بشرى البستاني ، قبل هذه الهموم و بعدها ، امرأة رقيقة ، بالغة الحساسية شعريا واجتماعيا ، تكتوي بقسوة الواقع ، و ظلم التقاليد و قيم المجتمع المتخلفة و تشعر ببعد المسافة  بين الحلم و الواقع ، ما تفكر فيه و تطمح إليه ، و بين ما تجده و تراه ، فتحس بالغربة ، و تعبر عن ذلك بقوة في العديد من قصائدها ، وهي تنتقد الأزدواجية والمكوث في السكونية والتخلف ، كان من أبرزها قصيدة ” أحزان امرأة عصرية ” ،و قد جاء فيها :

” اسقط في عينيك يا تشرينُ ،

              يا مورد الأحلامْ ،

اسقط في البداية ْ،

               اسقط في النهاية ْ

               لان هذا منطق الإعدام ْ..

تقول لي دليلة :

              فقأت عيني رَجُلي

لأنني افتكرت ليلا ً

                      أنه اسكندر الرجالْ

لكنني اكتشفت فجراً

                  انه الدجال !

تقول لي دليلة :

        و حينما صرتم أسارى الحربِ

        في الجزيرة ْ

و انحنت الخناجر الذليلة ْ

          رأيت في جداركم :

                       أللهَ و الرجالْ

 

يفجّرون أنهر المحال

         و حلم عينيك على امتداد

           جبهة الصحراءْ

محترقٌ..

        ضممته ..

                   فطارْ ..

تقول لي رفقتي ..

           وحينما ولدتُ في مدينة العميانْ ..

علمني السلطان . .  

                أن المس الجدار إذ ْ أسيرْ

وهكذا .. ما عاد بي من حاجة للنور

يقول لي السجان ..

            لو جئت قبل الفجرْ ،

لاجتزت و الحراس نائمونْ

لكنما :

أتيت بعد الفجرْ ،

و بيننا الأسرارُ

و العيونْ ..

أقول :  يا دليلة ،

أقول : يا فارعة النساء

                   يا قتيلة

الحب و الأحزانْ ..

يخططان كالمياه ..

             لوحة الإنسان ..”

 

تحية من الأعماق للشاعرة المبدعة الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني، و تمنيات لها بدوام الإبداع و العطاء في ظل عراق موحد متحرر ينعم بالديمقراطية و الحب و السلام .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: