قصيدة العراق للشاعرة بشرى البستاني.. قاسم محمود محمد

قراءة في جماليات التداخل العرو

يمثل هذا البحث قراءة في نص (قصيدة العراق)( ) للشاعرة بشرى البستاني . كتبت هذه القصيدة في شهر ايلول عام 1991(*)، اذ كان العراق يمر باحتدامات سياسية مضطربة ، تنوء بمستقبل فجائعي ، تبوح الشاعرة باستشراف لوعته بصورة مباشرة وغير مباشرة، مجسدة صورا رمزية عبر (مونتاج شعري) – ان صح التعبير – يتنوع فيه الايقاع تبعا لعاطفتها المحتدمة وتجربتها الداخلية التي شكلتها نصا عبر اللغة الشعرية.
تضمر الشاعرة خلف لغة النص الرمزية والايقاع الموظف فيها دلالات عميقة فقد منحت نفسها الحرية التامة في الافادة من البناء اللغوي الشعري والتشكيل الايقاعي النابض به وفيه، فجاء النص لوحة رمزية متلونة الايقاع ذات مضمون يجمع مشاهدُهُ واجزاءه خيط دلالي موحد، يمكن لنا ان نستشف من خلاله دلالات شتى منها ماهو ماض نابض تقابل به الحاضر البائس، فتعبر عن ازمنة ووقائع وحضارات ومعارف ومحن مر بها الوطن، ومنها ما تصور به واقع الامة الذي يلوب ويكابد نتيجة عوامل خارجية طرأت عليه. وربما أعطى النص نبوءات متوقعة سوف يؤول اليها الامر فيما بعد.

مدخل:
ان حركية القصيدة ومفارقاتها تتواشج دوما مع ((الدفقات العاطفية والصور التي تفرض صيغها العامة، فليس هناك قالب نغمي واحد يمكن ان نفرغ فيه قصيدة معينة ونظرا لاستجابة هذه الاخيرة في عملية الابداع لعلاقة جدلية بين العلامة والواقع المعبر عنه – سواء أكان واقعا داخليا أم خارجيا – فان الشكل على العموم والإيقاع على الخصوص لا يمكنه الا ان يكون انعكاسا للتحول وبالتالي متغيرا او متنوعا))( ). تبعا لعوامل كثيرة وعناصر متعددة منها لحظة ولادة التجربة وزمن امتدادها عبر المكنون الداخلي للمرسل الذي ينبثق عنه الاداء اللغوي حتى خروجها بالصورة النهائية إلى المتلقي ، فضلا عن ارتباط الرسالة بافق توقعات المتلقي و بالواقع الخارجي معا.
واللغة كما يرى جان كوهن ليست الا ((بديلا مقننا للتجربة نفسها والتواصل اللغوي يفترض عمليتين متقابلتين : إحداهما الترميز ، ويسير من الاشياء إلى الكلمات ، والثانية فك الرموز ويسير من الكلمات إلى الاشياء. اليس فهم نص من النصوص عبارة عن تبين ما يختفي وراء الكلمات أي السير من الكلمات إلى الاشياء))( ). ويقرر بعد ذلك ان ((اللغة ليست الا حاملا للفكر فهي وسيلة والفكر غايتها وليس من الاكيد ابدا بصفة مسبقة الا يتوصل إلى الغاية الواحدة بوسائل اخرى تتصف بنفس الدقة او اكثر وسيكون لدينا الحق على الدوام في ترجمة رسالة بكلمات اخرى لتقريبها من الاذهان))( ). ومن البديهي ((ان يسبق الايقاع النفسي الوزن العروضي وهذه حقيقة جمالية عروضية في آن واحد لان البنية العروضية تاتي استجابة عفوية للحالة النفسية وبذلك فان ايقاع الحالة الشعورية هو انعكاس لطبيعة الوضع النفسي للشاعر ومن هنا يمكن قياس درجات التوتر النفسي في الشعر من خلال الايقاع اللفظي الذي يفضي عادة إلى الايقاع المعني في النفس)) ( )، اذ حسبما تقتضي عواطف الشاعر ، وطبقا لتجربته تتشكل معمارية القصيدة من دون اهدار للايقاع الموسيقي الذي يحدد مسار القصيدة( ).
ان اهمية الايقاع عموما والوزن خصوصا تبرز بشكل اكبر عندما يصبح كل منهما عنصرا دلاليا يلتحم ويتفاعل مع بؤرة المعنى يجسدها ويعمقها . وهذا الترابط يحتاج إلى قدرة شعرية عالية تعمل على تلاحم العلاقة بين الشكل والمضمون، ((وبهذا الفهم يصبح الايقاع اشارة ظاهرة إلى شيء غير محسوس . أي ان الايقاع (علامة) تعطي نصا اخر، او كما يرى الشكليون الروس ان الايقاع مثله مثل الصور الرمزية، يقصد به الكشف عن النمط التحتي للحقيقة العليا. أي عن غور المعنى الكامن والاخير متعدد ومتنوع، ينبع تعدده من الطبيعة الاشارية للايقاع بل ان النظام الايقاعي هو اكثر النظم الاشارية تعقيدا في القصيدة))( ).
ويقول ياكبسون ((ان رمزية الاصوات عبارة عن علاقة موضوعية لاتنكر، وهي علاقة قائمة على ربط ظاهراتي بين مختلف الوسائل الحسية، وخاصة بين الاحساسات البصرية والسمعية))( ). ثم يذكر ان ((الشعر ليس هو المجال الوحيد الذي تُخلّف فيه رمزية الاصوات اثارها وانما هو المنطقة التي تتحول فيها العلاقة بين الصوت والمعنى من علاقة خفية إلى علاقة جلية، وتتمظهر بالطريقة الملموسة جدا والاكثر قوة))( ).
والايقاع هو الذي يستوعب ويمتص كل تداخلات النص ، الانسجام والمفارقة ويتفاعل معها ليكوّن فضاءه في القصيدة عبر قدرته على تشكيل خط عمودي ((يبدأ من مطلع القصيدة حتى نهايتها ، وبذلك فهو يخترق كل خطوطها الافقية بما فيها خط الوزن، ليتقاطع معها جميعا في نقطة مركزية واحدة هي جذر الفاعلية الايقاعية لمجموع بنى القصيدة ومستوياتها …. ويدخلها في نظام شمولي كامل متصل ببعضه ، كما يغير من فوضى تراكمها وتراكبها إلى بناء وظيفي مركب، ومن جمودها إلى حركة لا تتوقف ، لكنه يتغير في الوقت نفسه بواسطتها من ظاهرة صوتية بحتة وسلسلة زمنية متعاقبة، إلى اقانيم زاهية من الفكر والصور والرؤى والموضوعات والانكسارات الضوئية واللونية المتعاكسة .. حيث تدخل كل عناصر القصيدة في كون ايقاعي نغمي شعري بعد ان ذاب الايقاع فيها ليتجسد خلقا جديدا متمازجاً بالفكر واللغة والرموز والصور والمفارقات والعواطف تمازج الروح بالجسد وتتسرب هي فيه وتتشكل تشكلا بكراً)) ( ). وعلى هذا الاساس ((كان الايقاع اشارة طبيعية الى عمق الانفعال ويميل وفقا لقانون علمي هو قانون العدوى العاطفية الى ان ينقل الانفعال الى قلب السامع فمتى تكلم المرء شعرا كأنه يقول : ان المي او فرحي من القوة بحيث لا يمكن ان اعبر عنهما باللغة العادية))( ).
ان التلون الايقاعي المنبعث اساسا من تداخل الوزن او تنوعه في نص (قصيدة العراق) كان من اهم السمات الفنية التي استوقفتنا وبناء على ذلك جاءت قراءتنا . والتداخل يعني ((تداخل بحر شعري في بحر اخر والتنوع هو تنوع الاوزان تبعا للمقاطع الشعرية التي تؤلف بمجموعها القصيدة كاملة))( ). ولما جاء النص خاليا من المقاطع الشعرية آثرنا استخدام (التداخل) بدلا عن (التنوع) في العنوان اما تقسيم النص على مقاطع في الدراسة فهو اجتهاد من الباحث ومحاولة لتسليط الضوء على الانتقالات العروضية وبيان اثرها في الدلالة .
***
يمثل عنوان القصيدة العتبة الاولى للوصول الى مضمونها ومفتاحا – في اكثر الاحيان – لفك رموزها وفهمها . والعنوان الذي يواجهنا (قصيدة العراق) يشكل المحور الاساسي والمضمون الذي نسجت الشاعرة حوله خيوط النص. والقصيدة من قصد و (القصد استقامة الطريق) قصد يقصد قصداً فهو قاصد وقوله تعالى ((وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ )) (سورة النحل، الآية،9) أي على الله تبين الطريق المستقيم والدعاء اليه بالحجج والبراهين الواضحة…. وفي الحديث ((القصدَ القصدَ تبلغوا)) (صحيح بخاري/18، مسند الامام احمد/2 ، 541،537) (حمد بن حنبل ) أي عليكم بالقصد من الامور في القول والفعل وهو الوسط بين الطرفين… والقصيدة من الشعر ماتم شطر ابياته سمي بذلك لكماله وصحة وزنه وقال ابن جني سمي قصيدا لانه قُصدَ واعتُمد وقيل سمي قصيدا لان قائله احتفل له فنقحه باللفظ الجيد والمعنى المختار واصله من القصيد وهو المخ السمين الذي يتقصد أي يتكسر لسمنه… وقيل سمي الشعر التام قصيدا لان قائله جعله من باله فقصد له قصدا ولم يحتسه حسيا على ما خطر بباله وجرى على لسانه بل روى فيه خاطره واجتهد في تجويده ولم يقتضبه اقتضابا فهو فعيل من القصد… وقال ابو الحسن الاخفش… وليست القصيدة الا ثلاثة ابيات فجعل القصيدة ما كان على ثلاثة ابيات قال ابن جني وفي هذا القول من الاخفش جواز وذلك لتسميته ما كان على ثلاثة ابيات قصيدة وقال والذي في العادة ان يسمى ما كان على ثلاثة ابيات او عشرة او خمسة عشر قطعة فاما مازاد على ذلك فانما تسميه العرب قصيدة… قال ابن جني اصل (ق ص د) ومواقعها في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أوجور هذا اصله في الحقيقة وان كان قد يخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل الا ترى انك تقصد الجور تارة كما تقصد العدل اخرى فالاعتزام والتوجه شامل لهما جميعا))( ).
ان الشاعرة عندما تختار العنوان (قصيدة العراق) فهي تدرك بلا شك مدلول كلمة قصيدة والمعاني المعجمية لاصلها اللغوي وأرادت من خلال هذه المزاوجة اللغوية ان تكثف الدلالة السياقية لنص العنوان الذي يعتلي مضمون القصيدة بالاعتماد على المعنى الشامل الذي تحتضنه تلك المفردة (قصيدة) لغويا . فهي تعلن للمتلقي بدءا من العتبة الاولى عن عزمها وتوجهها ونهوضها وقصدها نحو العراق لتعطيه الصورة الشعرية التامة والكاملة له بحيث لا تشوبها شائبة بعد تمحيص وتحقيق وتدقيق. ومع ان هذه اللفظة (قصيدة) تستوحي المعاني المعجمية التي ذكرناها الا انها لاتقف عندها ، فالشاعرة تعلم علم اليقين ان هذه اللفظة اصبحت مصطلحا ادبيا له مفهومه الخاص ودلالته التي يشار بها اليه – وان كان ثمة خلاف بين النقاد على المفهوم الذي يحد مصطلح (القصيدة).
وهذه الرؤية تحيلنا على المعنى الفني الذي يستبطنه العنوان، فالقصيدة هي تجربة فنية ادبية شعرية عن موطن الشاعرة (العراق) ، وبناؤها المحكم يدل على رصانة الوطن (وطنها)، ووحدتها العضوية ، تجمع اطياف الشعب الذي هو (شعبها)، والمضمون العام يمثل خط سير المعنى نحو الغاية الواحدة.
اما العراق: فمعناه ((شاطئ الماء، وخص بعضهم به شاطئ البحر، والعراق أسم مذكر سمّي بذلك لانه على شاطئ دجلة، وقيل سميت (الارض) عراقا لقربها من البحر، واهل الحجاز يسمّون ما كان قريبا من البحر عراقا، وقيل سمي عراقا لانه استكف ارض العرب، وقيل سمي به لتواشج عروق الشجر والنخل به وكانه اراد عراقا ثم جمع على عراق))( ).
ومفردة العراق تستحضر في ذهن المتلقي ماهية العراق من الناحية التاريخية والجغرافية والسياسية والتكوين السكاني وما إلى ذلك . واذا ما كانت هذه المعاني متغيرة ومتنوعة فاننا نتوقع للوهلة الاولى ان يأتي شكل القصيدة ومضمونها موافقا للدلالة الضمنية التي يحملها العنوان.
ويصدق حدسنا حينما نجد ان الشاعرة لوّنت ايقاع النص تلون حضارة العراق وتنوع بهائه وثرائه معتمدة على تنوع الوزن في المرتبة الاساسية ، وعلى التدوير الذي يعني التواصل والاستمرار، وهجر القافية تارة والتزامها اخرى، تجاوبا مع الاتصال والانفصال في الحضارات الحية عبر التاريخ وفي مقدمتها حضارة وادي الرافدين فضلا عن جنوحها الى شحن النص بتراكمات صوتية عن طريق تكرار وحدات معينة بين الاونة والاخرى.
الا ان هذا التلون الايقاعي والتنوع الوزني جاء نتيجة عاطفة محتدمة ومشاعر مأزومة دفعت اللغة الشعرية الى الانتقال من وزن الى اخر. أي ان التغيير هو تلبية لحاجة نفسية تكمن دلالتها في سياقات النص. وربما خرجت تلك الدلالة من موطن كمونها (قلب الشاعرة) ومقاصدها التي عبر عنها اللغويون وعلماء النص بالمغزى، عن طريق اللغة الحاملة للمعاني الكامنة في النفس الى العالم الخارجي، وما على المتلقي الا ان يربط تلك المضامين مع تنوع الوزن ليستشف الغاية المرجوة من ذلك وبناء على ذلك يمكن لنا تقسيم القصيدة الى (14) مقطعا على وفق الانتقال في الوزن.

المقطع رقم (1):
تلوبُ الطيورُ : فعولن فعولـ
الجبالُ ، الجبالُ ن فعولن فعولـ
الجبالُ تؤرّقني ن فعولُ فعولُ فعو
وتلفّ بأغصانها جرح روحي، لُ فعولُ فعولن فعولن فعولـ
الجبالُ صبايا، ن فعولُ فعولن
تجزّ ضفائرها الطائراتُ فعولُ فعولُ فعولن فعولُ
فأجمع عنها شظايا القنابلِ، فعولُ فعولن فعولن فعولُ فـ
أمسحُ وجنتها، عولُ فعولُ فعو
فتسيل الغيوم على مهلها… لُ فعولن فعولُ فعولن فعو
فوق ورد الصباح… لن مفعولن فعولْ…

تبدأ (قصيدة العراق) بجملة فعلية (تلوب الطيور) جاء فعلها بصيغة المضارع المستمر، والفاعل جمع معرف بال يضم تحته جنس الطيور كلها.
وقد منحت الشاعرة دلالة الفعل (تلوب) الى كائنات حية- في الغالب – ترمز الى الوداعة والالفة، وهي تضمر ذاتها خلف الفاعل والتعبير بهذه الطريقة ابلغ.
واذا كانت الذات الشاعرة هي التي تلوب فان خواطرها ولواعجها تجنح نحو الحركة المستمرة تبحث عن منفذ لمشاعر الفقدان والالم والارق الذي سببه لها فقدان الجبال او عذابها من هنا جاء تنوع الايقاع في القصيدة.
ان سمة الفعل (تلوب) تصبح ملازمة للانا الشاعرة فهي تتجذر بالنص عبر مقاطعه الطويلة، اذ تنتقل من الطيور الى الجبال (والجبال تلوب) ثم الكهوف (فتلوب الكهوف).
لقد اسقطت الشاعرة احساسها اولا على الطيور ثم الجبال ثم الكهوف من الفضاء العلوي الى الوسط ثم الى الباطن ، فهي تسعى بهذه اللغة الشعرية والصور المجازية الى انسنة الجماد ، واضفاء المشاعر الانسانية عليه، وبهذه الطريقة تشير الى لواعج الوطن، فالانسان والحيوان والجماد يوحدهم فعل واحد واحساس واحد هو (يلوب). حتى يتحول الفعل إلى شجن يلف الكون كله من ذرى القمم إلى اعماق الكهوف.
و ((الَلْوبُ واللُوبُ واللؤوبُ واللُوَابُ العطش وقيل هو استدارة الحائم حول الماء وهو عطشان لايصل اليه وقد لاب يلوبُ لوباً ولوُبا ولوباناً أي عطش فهو لائب والجمع لؤوب مثل شاهد وشهود ، قال : ابو محمد الفقعسي:

حتى اذا ما اشتد لوبان النجر ولاح للعين سهيل بسحر

والنجر عطش يصيب الابل من اكل الحبة وهي بزور الصحراء))( )
ان هذا الانتقال يشعرنا بحركة مستمرة تصبغ الفاعل المتغير بدلالة الحدث الواحد للفعل (تلوب). وهذا المشهد يوحي بسير صفة الفعل (العطش الشديد)، من نقطة انطلاقه (اول النص) باتجاهين (عمودي وافقي)، الاول يمثل الاتجاه المكاني من الأعلى نحو باطن الارض، والثاني يمثل الاتجاه الزماني فصيغة الفعل المضارع تدل على الحال والاستقبال.

عندما تقرن الشاعرة الطيور بالجبال وتوازي بينهما بفعل واحد فانها تستمد تلك الخاصية من القران الكريم بدليل قوله تعالى : ((ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين)) (سورة الانبياء، الاية 79). وقوله تعالى : ((ولقد آتينا داود منا فضلا ياجبال اوّبي معه والطير والنا له الحديد)) (سورة سبأ، الاية 10).
وقد ذكر الامام الرازي في تفسير التسبيح من قوله تعالى : ((وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين)) وجهان (احدهما) ان الجبال كانت تسبح ثم ذكروا وجوها (احدها) قال مقاتل اذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه (وثانيها) قال الكلبي: اذا سبح داود اجابته الجبال (وثالثها) قال سليمان بن حيان: كان داود عليه السلام اذا وجد فترة امر الله تعالىالجبال فسبحت فيزداد نشاطا واشتياقا (القول الثاني) وهو اختيار بعض اصحاب المعاني انه يحتمل ان يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله (وان من شيء الا يسبح بحمده) وتخصيص داود عليه السلام بذلك انما كان بسبب انه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما والقول الاول اقرب لانه لاضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره))( ).
ونلاحظ ان (الجبال والطيور) في الايتين قد اشتركا بفعل واحد في الاولى كان التسبيح وفي الثانية الأوب من هنا نرى ان نص الشاعرة يتناص مع كلام الله تعالى فهي تجمع بين الفاعلين نفسيهما وتشركهما بفعل واحد (تلوب).
تنسج الشاعرة لغتها في هذا المشهد معتمدة على تفعيلة المتقارب (صحيحة ومقبوضة) بطريقة سردية يشوبها التدوير الذي ينم عن تواصل المعاناة والالم.
وفعولن المكونة من وتد مجموع وسبب خفيف ينتج من تكرارها تناوب بين مقطعيها بصورة مدورة.

فعولن فعولن فعولن فعولن
//ه /ه //ه /ه //ه /ه //ه /ه
× فا علن فا علن فا علن

واذا ما بدأنا من السبب الخفيف مهملين الوتد من اول تفعيلة (فعولن) كما موضح في المخطط اعلاه حينئذ ينتقل الوزن من فعولن إلى فاعلن. وعندما تكون الذات الشاعرة في حالة من الالم الشخصي او الوطني فان عاطفتها تدفع لغتها الشعرية كي تتجاوز هذا الايقاع المتكئ على وزن تفعيلة المتقارب (فعولن) إلى وزن اخر ، وهي محاولة لتجاوز الحالة المأزومة إلى نوع من التوازن، ولما كان الانتقال اثناء السرد المستمر غير المصحوب بالتوقف فقد انتقت الشاعرة وزنا اخر يمتلك خصائص ايقاعية تقترب من الاول كي لاتحدث فجوة ايقاعية تتعارض مع تواصل السرد فظهرت تفعيلة المتدارك في المقطع الثاني.

المقطع رقم (2)
والجبالُ حيارى فاعلن فعلن فـ
الجبالُ التي شردتني اعلن فاعلن فاعلن فـ
الجبال التي هجرتني اعلن فاعلن فعلن فا
وأهجرها، علن فعلن
وأحنّ إليها، فعلن فعلن فا
فتبكي جروحي علن فاعلن فا
وأنسى الذي كان ما بيننا من ملامْ.. علن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلان
والجبال تلوبُ فاعلن فعلن فـ
العراقُ، اعلن فـ
العراقُ، اعلن فـ
العراقُ متاحف نخلٍ، اعلن فعلن فعلن فا
مرايا، علن فا
وعاجْ، علان.

تدرّجت الشاعرة في ايقاع القصيدة ونقلت الوزن من فعولن إلى فاعلن وهذا التنوع ارتبط بنمو التجربة النفسية وميلها إلى مقاومة حالة التمزق والحرب البشعة، وتطلعها إلى قلب الوضع المأساوي الذي عبرت عنه من خلال حشدها مفردات تدل عليه (تلوب، تؤرقني، جرح روحي، تجز ضفائرها الطائرات، شظايا القنابل) لذا نجدها تتجاوز المفردات الدالة على القوة والبطش ، وتوظف بدلا عنها بنية مركبة من سطرين توحي بجمالية رومانسية تنهي بها المقطع الاول.

فتسيل الغيوم على مهلها…
فوق ورد الصباح…

وما علامات التنقيط بعد هذين السطرين الا رغبة من الشاعرة باستمرار هذه الصورة وهي تعبير عن استشراق صباح جديد بعد نزيف الدم.
ثم يعود النص إلى النواة المركزية (الجبال) صلب القضية، والجبال هنا رمز لما لايمكن الامساك به، اهو رمز لشمال العراق الذي يلوح لها بالفقدان قبل اكثر من عشر سنوات … ام هو رمز جمعي للعراقيين بما يمثله من شموخ وعلو، ام هو رمز لشدة حياة العراقي الواقعية وصعوبتها وقسوة ما يحدث فيها ام هي رمز التوازن الذي تتطلع اليه الذات الشاعرة..؟ يبقى النص دلالته مفتوحة . فالجبال الواردة في صورتها المتحركة وبما امتلكته من افعال انسانية أضفتها الشاعرة عليها تجاوزت حال كونها جبالا على التحديد ، بل تعدت عالم الحقيقة إلى عالم الخيال، لذا فالمتلقي يسبح في فضاء النص بحثا عن أبعاد هذه اللفظة ومدلولاتها بالاعتماد علىما يجاورها من الفاظ ضمن السياقات المتعددة التي ترد فيها.
ولفظة الجبال ترد في القرآن الكريم لعشرات المرات ومنها قوله تعالى : ((الم نجعل الارض مهادا، والجبال اوتادا))(سورة النبأ، الاية 6-7). قال الامام الرازي قوله تعالى: ((والجبال اوتادا)) أي للأرض كي لا تميد باهلها فيكمل كون الارض مهادا بسبب ذلك))( ).
وجاء في تفسير المراغي : ((أي وجعلنا الجبال لها [أي للارض] كالأوتاد كي لا تميل باهلها وتضطرب بسكانها ولولاها لكانت دائمة الاضطراب لما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان، فلا تتم الحكمة في كونها مهادا لهم))( ).
يتضح من هذا ان الجبال هي عنوان التوازن الارضي ، وهي بالنسبة للعراق في نص الشاعرة كالوتد الذي يثبت الخيمة ويحافظ على استقرارها امام الريح العاتية والعاصفة القوية الشديدة. ويبدو من حالة اللوبان الوجع ان هذا التوازن مفقود وان الاهتزاز والقلق والاضطراب يسود كل شيء ويميد بهذه الارض ومن عليها بما فيهم الشاعرة، فهل اراد النص تصوير الكون بالمهاد والعراق اوتاده ، ان معظم ملفوظات النص توحي بذلك من خلال فيض الحب ومشاعر الوجد الذي غمر به النص هذا الوطن الاثير. ام ان الجبال المهددة بالفقدان توحي بفقدان توازن كل شيء ليس في الوطن بل وفي الحياة المهددة بعصا الاقوياء.
واذا كانت الجبال (الاوتاد) الارضية تلوب كما تشعر بها الشاعرة فان احساسها ينعكس على لغتها فيلون نواة الوزن العروضي (التفعيلة) بحركة متنوعة تنتج ايقاعا متلونا.
وفي هذا المشهد تتحول العلاقة الحميمة التي وجدناها في المقطع الاول بين الانا الشاعرة والجبال إلى علاقة سلبية يشوبها الهجر والتشريد المتبادل بفعل عوامل التخريب خارجية وداخلية ويبدو ان النص لا يريد التصريح بها على عادة الشعر الذي يكثف ولايصرح لتبقى مسكوتا عنها في فجوات لاتمنح نفسها الاللقارئ الجاد.

الجبال التي شردتني
الجبال التي هجرتني
وأهجرها

والشاعرة توظف عناصر الطبيعة في نصها بصورة رمزية، لتبوح بعذاباتها (من حب وهجر وتشريد) بصورة جدلية قائمة بين الانا والطبيعة ، فتفضح عن خلجات نفسها دون مواربة، اذ تحول الطبيعة إلى كائنات حية تحاورها وتبثها مكنونات المها ولوعتها.
وهل غايتها من انسنة الجماد تفعيل صور شعرية تعتمد على المجاز فحسب، ام انها تعيش في حالة ياس داخلي من استلاب الانسان الحالي فتجد في الطبيعة ملاذها وخلاصها كما كان يفعل الرومانسيون؟ لايترك النص المتلقي في حيرة من امره ، لان القارئ الجاد لايجد الطبيعة ملاذا فحسب، بل يواجهها بنية فاعلة في تشييد النص وارضية راسخة لفعل الوقائع والاحداث والمشاعر ومن خلال كل ذلك يلتمس وظائفها الدلالية والجمالية معا.
ان السمة المزجية بين (صفات الانسان والطبيعة) تشكل محورا مهما في نص الشاعرة فقد اعتمدت عليها بصورة واضحة في صياغة تجربتها . ولم يكن توجهها إلى الطبيعة وصفيا لاجل رصدها ، بل كانت الغاية ايحائية ، اذ تتخذ من عناصر الطبيعة رموزا تشير بها إلى مضامين ومعان يدركها المتلقي حينما يربط بين الدلالة السياقية والدلالة الوضعية لتلك الالفاظ فضلا عن دلالتها في الموروث الثقافي عموما والعقائدي خصوصا. مثال على ذلك توظيف المفردات آلاتية (الجبال، القمر، الشجر، النيل، الكهوف)، فللطبيعة في العمل الادبي وظيفة عضوية جمالية إلى جانب وظيفتها التفسيرية فهي تتحول من واقعها الموضوعي إلى واقع تخييلي بحيث تصبح عنصرا يحتل مركز اهتمام المبدع وتشغل مساحة لونية تلعب هي وغيرها من الوان العمل الادبي وعناصره المختلفة دورا وظيفيا في حركة بنائه وتطوره.( )
ان الازمة التي لاحظناها بين الشاعرة والجبال في المشهد السابق ما تلبث ان تستقر حتى نفاجأ بمشاعر حنونة ودواعي محبة عميقة تعيد العلاقة إلى صميم حقيقتها، فبعد قولها (واهجرها) تبادرنا المفارقة.

واحن اليها
فتبكي جروحي
وأنسى الذي كان ما بيننا من ملام

ففعل الهجر هنا قسري ، لم يكن اراديا ، لذا يأتي رد الفعل من الجبال ايجابيا تلفه صحوة، فيتراءى العراق بكل ماضيه وحضارته وقوته امام عينيه فيتوحد الخاص بالعام، حتى ان الوصف يطول ليشمل المقطع الثالث والرابع ، كي يحقق اشباعا عاطفيا تتطلبه التجربة.
وهناك ترابط دلالي بين المقطع الاول والثاني، تسعى الشاعرة عبر لغتها المجازية وصورها الرمزية أن تبثه وتظهره إلى النور. الا وهو (صلة الرحم) – ان صح التعبير – بين الوطن العراق وشماله. في تواشج يتوازى ليفضي في النهاية إلى انفتاح على مشهد كثيف هو تاريخ العراق بكل عصوره المأزومة بالعطاء والابداع.
في المقطع الاول: تلوب الطيور/ الجبال، الجبال/ الجبال تؤرقني
في المقطع الثاني: والجبال تلوب/ العراق/ العراق/ العراق متاحف نخل

الطيور = الانا الشاعرة ، والانا الشاعرة رمز للعراق والعراقيين
الجبال = شمال العراق ، الجبال هي العراق، هي الذات الشاعرة المحكومة بالفصل والفقدان والمكابدة.

نخلص من هذا إلى توحد مشاعر الوطن وشماله مع انسان ذلك الوطن وناسه . فالعراق يلوب من اجل جباله، وجباله تلوب من اجله، والذات الشاعرة تلوب بهما ومن اجلهما.
وقد تحررت الشاعرة من قدسية الوزن الواحد الذي تنبني عليه القصيدة اثناء انتقالها إلى المقطع الثاني . وتدفعها الجرأة والتمكن الممزوجان بالعاطفة المحتدمة إلى استخدام أوزان اخرى في النص سنشير إليها لاحقا.
يعتمد ايقاع المقطع – هنا – على تفعيلة المتدارك الصحيحة والمخبونة في بنائها والمخبونة الحركي، وتغيب القافية بسبب التدوير فلا تظهر الا في موضعين (ملام، وعاج) وقد اسبغ هذا الظهور على خاتمة الجمل الشعرية نغمة خاصة ، على الرغم من اختلاف الروي فيها، لان المد الذي يسبق حرف الروي (الردف) يعطي قيمة جمالية بما يحمله من طبيعة صوتية. فضلا عن زيادة حرف في الوزن المصاحب للقافية اذ جاءت التفعيلة مذالة (فاعلان).
ونرى حشدا من التجمعات الصوتية ينتجه التكرار على مستوى الصوت المفرد مثل الهاء في.

الجبال التي هجرتني
واهجرها
واحن اليها

وعلى مستوى الكلمة المفردة مثل تكرار (الجبال) و (العراق) و (هجر). تكثيفا في الايقاع الصوتي.
وهذا يسهم في دعم ايقاع القصيدة جنبا إلى جنب مع الايقاع العروضي.

المقطع رقم (3)
وأروقةُ من لجين، فعولُ فعولن فعولن
وأزمنةٌ من دمٍ فعولُ فعولن فعو
وأكفٌُ تدقّ رتاج العصور لُ فعولن فعولُ فعولن فعولُ
فتنهضُ إنساً وجان فعولُ فعولن فعولن
وتعدو الفيالقُ فعولن فعولُ فـ
تعدو البيارقُ عولن فعولُ فـ
تعدو الخيولُ عولن فعولُ

المقطع رقم (4)
والعراق الرؤى، فاعلن فاعلن
والمدى، فاعلن
والأمانُ فاعلن فـ
العراقُ ألأماني اعلن فاعلن فـ
العراق حديقةُ روحي اعلن فعلن فعلن فا
تضمّ إليها غيوماً ، وبرقاً علن فعلن فاعلن فاعلن فا
وأزمنةُ من لظى ً علن فعلن فاعلن
وجداول شهد تشق أكفّ التراب ْ فعلن فعلن فاعلن فعلن فاعلان
والعراق عباءةُ أمي، فاعلن فعلن فعلن فا
وثوب العذارى علن فاعلن فـ
اللواتي يمتن على السفح اعلن فاعلن فعلن فاعـ
من ظمأ واغتراب لن فعلن فاعلان

إننا لانجد مبررا لانتقال الوزن من فاعلن إلى فعولن – سواء على الصعيد العاطفي او المستوى الدلالي – عند خروج الشاعرة من المقطع الثاني ودخولها في المقطع الثالث ، اذ انها في حالة وصف للعراق، تستمر هذه الدلالة عبر صور متراكمة ومعان مغايرة تمتد لثلاثة مقاطع (الثاني، والثالث، والرابع) . جاء المقطعان الثاني والرابع على وزن واحد (فاعلن) بينما كان الثالث مغايرا لهما على وزن (فعولن) ولولا ان جاءت الصورة الكتابية للفظة (وعاجْ) الصورة ساكنة الروي نهاية المقطع الثاني في الديوان لأمكن عد حرف الجيم محركا بالتنوين، وبهذا يستمر وزن فاعلن في المقطع الثالث ليتصل بالمقطع الرابع، وتصبح حينئذ المقاطع الثلاث (2، 3، 4) مقطعا واحدا يشير إلى مضمون واحد . ألا أن هذا الخروج استطاع أن يتجاوب مع تجربة النص المفعمة بظاهرة الانتقال الوزني.
المقطع رقم (5)
ياقمرَ الجبالْ مستعلن معولْ
عرّج على السفوحْ مستفعلن معولْ
فوجهك الأبهى متفعلن مفعو
يطلع في الجروحْ مستعلن معولْ
ياقمر المنفىْ مستعلن مفعو
عرجّ على الحقولْ مستفعلن معولْ
فوجهك الأبهى متفعلن مفعو
يولد في البذورْ مستعلن معولْ

تبدأ الشاعرة مشهدها بنداء موجه للقمر ((والقمر جرم سماوي صغير يدور حول الأرض ويكون تابعا لها ، فهو جرم معتم صخري كالأرض تماما يستمد نوره من ضياء الشمس ، والارض بقمرها تدور حول الشمس التي يسقط ضوؤها على وجه القمر عندما يكون مواجها لها وللنصف المظلم من الأرض))( ).
وللقمر عند العرب قديما مكانة خاصة فهو كبير الآلهة وسيد المعبودات ولذلك ذكر في القران على راس اوثانهم (ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) (سورة نوح، الاية23) ((واذا كانت العرب امة متاملة شاعرة فقد كان القمر بلا شك واحدا من الظواهر الكونية التي لفت انتباهها تفكرا وتأملاً وإعجاباً ، ولذلك كان عندهم قبل الاسلام هو سيد الالهة، فهو الراعي والحامي والمحب، فـ (ود) هو القمر وهو الاله الرئيس عند ثمود وقريش وعند المعينيين كما انه الاله المعبود عند بقية العرب الجنوبيين ، ومتى ورد اسمه في نص قصد به القمر، وهو عندهم الاب رمز الايجاد والاظهار والاصلاح والرعاية وقد كتب اسمه وحفر على اخشاب واحجار ابواب المباني لتكون في حمايته تبركا باسمه وتيمنا به كما علق اسمه على أعناق الاطفال تمائم وتعاويذ تحفظهم من الشر وفي لفظة (ود) يكمن معنى المحبة والمودة)). ((وعلى الرغم من مزاحمة الشعوذة له من حيث هو معبود فقد ظل إلى قبيل ظهور الاسلام سيد الالهة في مكة وكان يرمز له بالصنم (هبل) الذي قال عنه ابن الكلبي انه اعظم صنم وقد صنع من العقيق الاحمر على صورة انسان… هذا هو المعبود القمر عند العرب قديما، تعددت اسماؤه وصفاته فهو رمز القوة والعزة والهيمنة و الإضاءة والحكمة، وهو رمز الرأفة والحب والمودة والابوة والحماية، فضلا عن كونه يرتبط عند العرب بالمطر، فمنازله هي التي تؤطر الانواء وتحكمها… فالقمر اذن رمز للخصب والخير واجتماع هذه الدلالات كلها في القمر جعلته مثالا في الوعي الجمعي العربي، ورمزا يهرع اليه الشعراء))( )، لذا يتكرر النداء الموجه للقمر في نص الشاعرة حتى يصبح قوة مطلقة تلجا اليه الذات في محنتها وكأنه المنجد الوحيد من عذاباتها ولوعتها فليس هناك من امل تعقده في سواه وهي التي تصرح بذلك (ودهرك اعجز من باقل).
وتأتي هذه الدعوة المفعمة بنداء المستصرخ ، بعد استلاب الظمأ والاغتراب حياة العذارى على السفوح اذ بلغ الجهد مبلغه. لذا فأن الشاعرة تتوجه نحو قوة الخلاص ممثلة بالقمر – المصدر السماوي الذي يضيء الارض ليلا ويبدد ظلمتها، ويبعث النشوة والاطمئنان في النفوس – نحو السفوح.
فهي تستعين بالقمر (رمز الخصب والقوة ، والهيمنة والرأفة والحب) ، لتبعث الامل والحيوية في موطنها (العراق) الذي يكابد جريحا.
وقد شكل المقطع انعطافة قوية في الايقاع على مستوى الوزن والقافية والتكرار والتوازي والجناس الصوتي . حتى برزت وظيفته بشكل اوضح خدمة للمعنى. اذ تترشح معطياته نحو بنية نغمية توحي بابتهال تصدره الذات الشاعرة عبر جمل قصيرة تعاضد لحنها الموسيقي.
ومن يقرا القصيدة يجد فجوة ايقاعية بين المقطعين الرابع والخامس تعمد الشاعرة من خلالها إلى كسر افق التوقع ، وجلب انتباه المتلقي وبالتالي فان هذه الانعطافة تثير المتلقي كي يحشد ذهنه لاكتناه ماهية الدلالة الكامنة خلف البناء التركيبي المغاير الذي انتج ايقاعا يتكئ على نداء مكرر اشبه ما يكون بالابتهال.
ان النداء المكرر هنا يحيل على التراتيل الدينية فلمن كان النص يوجه ابتهالاته الضارعة ؟ للعراق ام للامنية الكبيرة في توحده وعودته لاستلام دوره الفاعل في الحياة.

المقطع رقم (6)
فيا شجراً لايهادنُ فعولُ فعولن فعولُ فـ
ياشجرا يستفزّ الرياحَ عولُ فعولن فعولن فعولُ
لماذا فتحت النوافذَ فعولن فعولن فعولُ فـ
والشمس داكنةٌ عولن فعولُ فعو
والعيون قميئةْ لن فعولُ فعولن
لماذا توضأت بالدمِ، فعولن فعولن فعولُ فـ
بالامنياتِ عولن فعولُ
ودهرك اعجز من باقلٍ فعولُ فعولُ فعولن فعو
والعدوّ يهدهد صبيانه لن فعولُ فعولًُ فعولن فعو
والرياح تسيرُ بما يشتهي القتلة ْ لن فعولًُ فعولًُ فعولن فعولًُ فعو

تنتقض الشاعرة معاتبة (الشجر) ، بأسلوب درامي يعمد إلى انسنة النبات، والشجر رمز مفتوح الدلالة، جاء بصيغة التنكير فشمل الجنس كله ، حتى يعم شجر العراق من شماله إلى جنوبه – وفي الغالب – يشير إلى الانسان العراقي عموما وقراراته خصوصا، فهو يابى ان يهادن على الرغم من مكابدته.
وما عنوان الديوان (مكابدات الشجر) الذي يضم في فحواه هذا النص الا دليل على صميم العلاقة والآصرة القوية التي تربط بين مضمون النصوص والعنوان الذي يحمل اسم المجموعة.
ونستشف من هذا ان مكابدات الوطن قد تغلغلت في نفس الشاعرة واستوطنت في مخيلتها حتى امتزج العام بالخاص وغدا النص تعبيرا عن الشعور الجمعي مؤطراً بالانا الشاعرة او الرموز التي توظفها ، وما تحولات الايقاع من سرد ووصف وابتهال وعتاب.. الخ الا لغة مشفرة تحمل ذلك المضمون. فبعد ان افرغت الشاعرة في المقطع السابق شيئا من لوبتها ولواعجها المشحونة بايقاع المبتهل تنقل وزن القصيدة – هنا – إلى المتقارب (فعولن).
والمشهد ينضح بمعاني العتاب الوطني والقومي اذ تتخذ الذات الشاعرة فيه من الرمز غلافا شفافا يغطي الدلالة فتسمح لعين الناظر برؤية الخطوط العامة دون الغوص في الملامح الدقيقة .

المقطع رقم (7)
انت علمتني ان اموتَ فاعلن فاعلن فاعلن فـ
كما ينبغي علن فاعلن
والبي الحياةَ فعلن فاعلن فـ
اذا انبلجت قنبلةْ علن فعلن فاعلن
فلماذا ذهبت وخليتني فعلن فاعلن فعلن فاعلن
ولماذا عبرت إلى جهةٍ أنا أجهلها فعلن فاعلن فعلن فعلن فعلن فعلن
في الطريق إلى مَكّةَ عيرتني القوافلُ فاعلن فعلن فاعلُ فاعلن فاعلن فعـ
ان ساموت بلا كفنٍ لن فعلن فعلن فعلن
او سدورْ فاعلان
ذكرنا في المقطع السابق ان الشاعرة اتخذت من الشجر رمزا للانسان العراقي الذي لا يهادن، واسترسلت معاتبة اياه لاتخاذه قرارات مصيرية حاسمة، في وجهة نظرها خاطئة فالاليات التي تحقق الغاية المنشودة تثاقلت إلى الارض (ودهرك اعجز من باقل) بينما العدو يتربص ويهدهد غلمانه بل حتى الظروف قد تهيأت للقتلة.
– وهنا – ينتقل ايقاع النص من المتقارب (فعولن) إلى المتدارك (فاعلن) وكأن الشاعرة في هذه الانتقالة تريد ان تعكس الصورة السابقة بنقلة وزنية تتحد مع دلالة المضمون فتجعل من الموت الذي يسعى اليه القتلة حياة. فهي تبدأ مشهدها بـ (انت) و الضمير يعود إلى الشجر (العراق وشعبه) في المقطع السابق اذن الشاعرة تستلهم معاني الحياة وان كانت متمثلة (بموت شريف) من الانسان العراقي وهناك كلام مسكوت عنه يسبق الضمير (انت) يفصل بين المقطعين ، وبهذا يضع المشهد المتلقي امام لقطة حوارية بين الذات الشاعرة والاخر، ولكن الصياغة الشعرية جاءت باسلوب موجز اهملت التفاصيل ، واحتفظت بالمعنى الاهم (طريقة موت العراقي) فهو لايموت الا كما يموت الشجر واقفا شامخا لا يحني هامته امام رياح القتلة.
وهي تتساءل عن مضامين مصيرية حدثت بغيابها او تغييبها والغاء قرارها، فتستفهم مستنكرة قرارات حاسمة تخص وطنها واهلها وحياتها اتخذت دون ان تشارك بصنعها ، وهي اشارات تنضح بمرارة الغياب الذي يغلف انسان المنطقة في العصر الراهن.

فلماذا ذهبت وخليتني
ولماذا عبرت إلى جهة انا اجهلها

ان تكرار الاستفهام بهذه الطريقة يعطي ((نبرات متوازية متماثلة تفصح عن الحس الانفعالي والشعور بالغضب لدى المبدع وقد انبثق السؤال عن حيرة تبحث عن اجابة مبتغاة))( ). وتتعاضد الاسئلة لتحيل معطياتها إلى تواز نغمي يتجاوز ((حدود الظاهرة اللغوية إلى تشكيل بعد تأثيري باثارة الانتباه وتوجهه نحو الاستخدام اللغوي الذي يحمل شحنات انفعالية قادرة على ان تجسد موقف المبدع، فبنية التوازي تستطيع ان تكشف عن تالف عناصر الصوت والتركيب والدلالة لتعكس التجاوب القائم بين اللغة والموضوع))( ).
وبعد أللقطة الحوارية ينتقل النص إلى سرد حالة وصفية ورؤية مستقبلية تنم عن نهاية سلبية (موت مخزٍ) – كما يراه الاخر – موت بلغ اهله من الشح والعوز بحيث ينأى عن الكفن والسدور ، والمعنى يشير ضمنا إلى الحصار الجائر المفروض على العراق في ذلك الوقت. وفي الحقيقة هو موت مشّرف نتج عن التصدي لقوى الشر.

المقطع رقم (8):
وفي المغرب العربيّ وجدتُ ثيابي فعولن فعولُ فعولُ فعولن
معلقةً فوق صاريةٍ فعولُ فعولن فعولُ فعو
وثيابي على جبل الشيخ في الشامِ لُ فعولن فعولُ فعولن فعولن فـ
منشورة ٌ عولن فعو
فوق حبلٍ يخط حدود هوّية اهلي َ لن فعولن فعولُ فعولُ فعولُ فعولُ فـ
بين البنفسج والنارِ عولن فعولُ فعولن فـ
بين المدى والقتيلْ عولن فعولن فعولْ
هناك وجدتك تبتاعُ خبزاً لورد العراقِ… فعولُ فعولُ فعولن فعولن فعولن فعولْ
وتنحت صخرا لأحلامهِ فعولُ فعولن فعولن فعو
نسي النيلُ ماكانَ لُ فعولن فعولن فـ
آفة هذا الزمان التذكرُ عولُ فعولن فعولن فعولُ فـ
آفته الموت فوق حجارة أمسٍ تلّبد عولُ فعولن فعولُ فعولُ فعولن فعولُ فـ
تلك الجبالُ، عولن فعولـ
الجبالُ، ن فعولـ
الجبال طيورٌ تكابدْ.. ن فعولُ فعولن فعولن
منافٍ فعولن
حصونٌ، فعولن
حقول من الزعتر المرّ، فعولن فعولن فعولن فـ
نعناعها كرم الارضِ عولن فعولُ فعولن فـ
شحتها عولُ فعو
قمر الارضِ لُ فعولن فـ
لوعتها عولُ فعو
والجبالُ الجحيمُ لن فعولن فعولـ
الجبال النعيمُ ن فعولن فعولـ
الجبال سياطٌ تغالبْ ن فعولُ فعولن فعولن
تهادنني فعول فعو
لا أهادنْ لن فعولن

ان انتقال النص في نهاية المقطع السابق من الحوار إلى السرد هيأ المتلقي لاستكمال السرد في قالب وزني آخر المتقارب (فعولن) مع بقاء المضمون متلبسا بنظرة العار التي خيمت على رؤية الدول العربية تجاه العراق.
فالثياب المعلقة والمنشورة في المغرب العربي والشام تعطي دلالة انثوية سلبية وهي تمثل الشرف العربي المنتهك على ارضه من اقصاه إلى اقصاه.
وتبقى الجبال مصدر ارق ينتاب الذات الشاعرة فتلجأ إلى تكرارها بين الحين والآخر.

تلك الجبال ، الجبالْ
الجبال طيورٌ تكابد

تتحد الجبال بالطيور هنا اتحاد المكابدة فـ (الذات ، الوطن الجبال، الطيور)، جميعها تعاني ، فنجد عودة إلى لا محدودية الرمز وعدم القدرة على الامساك به الا من قبل القاريء الجاد.
ان عدسة الشاعرة تصور لنا الجبال على انها طيور تكابد ، فلم تعد تمتلك القوة والشموخ، و بعد ان كانت تضرب جذورها في اعماق الارض آل بها المآل إلى هذا الحال. لذا تصبح الجبال نعيما وجحيما في آن واحد ، فهي تكتسب هذه الثنائية بسبب العوامل الخارجية المحيطة بها، فتنعكس تلك الصفة على مبدعة النص.

المقطع رقم (9)
والجبالُ المناراتُ فاعلن فاعلن فاعـ
خضراءُ، لن فاعـ
حمراءُ، لن فاعـ
سودْ.. لان
والجبالُ، فاعلن فـ
القبابُ، اعلن فـ
الوعولُ، اعلن فـ
المرايا، اعلن فا
مراكبُ تسرحْ في الغيمِ، علن فعلن فعلن فاعـ
تبحث عن لوعةٍ ، لن فعلن فاعلن
ولظىً يسعان هواها.. فعلن فعلن فعلن فا
تؤرجحني .. علن فعلن
أتهاوى إلى القاعِ، فعلن فاعلن فاعـ
أصعدُ عبر الجذوعِ، لن فعلن فاعلن فـ
أرى ذمماً تُشترى علن فعلن فاعلن
وشعوباً تباعُ فعلن فاعلن فـ
وابصرُ تاريخ حبي على السنديانِ علن فعلن فاعلن فاعلن فاعلن فـ
ممالكُ أهلي وتيجانهمْ علن فعلن فاعلن فاعلن
ونضار خطاهم وازمانهمْ فعلن فعلن فاعلن فاعلن
فتلوب الكهوفُ فعلن فاعلن فـ
وتشعلُ أنياب فيلٍ تمرّدَ.. علن فعلن فاعلن فاعلن فعـ
أبرهة لا ينامُ لن فعلن فاعلن فـ
يفتش عن باب مكة بين السفوح ْ علن فعلن فاعلن فعلن فاعلان
والجبال ملاعبُ أهلي فاعلن فعلن فعلن فا
احس دبيب سواهم على قمةٍ علن فعلن فعلن فاعلن فاعلن
هي وردة روحي فعلن فعلن فا
على ربوة هي جرح الضفافِ علن فاعلن فعلن فاعلن فـ
التي طهرتني اعلن فاعلن فا
على نبع ماءْ.. علن فاعلان

تعود القصيدة هنا الى ايقاع المتدارك – والاصح تفعيلته مع امكاناتها الزاحفة والمعتلة – فتعيد المتلقي الى وزن قد طرق سمعه بعد غياب .
ان بداية المقطع تبتعث الوان العلم العراقي، وتحيل الوانه الى الدلالة التي يرمز اليها كل لون (خضراء الروابي ، حمراء المواضي، سود الوقائع) وبعدها يستمر تلاحق الصور الشعرية فنجد لقطة للجبال مستوحاة من القران الكريم (مراكب تسرح في الغيم) وفي هذا تناص مع قوله تعالى : (وله الجواري المنشآت في البحر كالاعلام) (سورة الرحمن ، الاية 24). وقوله تعالى : (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شيء انه خبير بما تعملون) (سورة النمل، الآية :88).
ان الياء وهي ضمير المتكلم (الانا الشاعرة) المساوية للوطن تعاود حضورها في (تؤرجحني) فتتهاوى الى القاع الا ان الارادة القوية تصعد بها نحو الاعلى، والصورة تعلن عن نفسها فالحالة ليست انكسارا إنما هي عملية بعث ونهوض بدليل العودة والصعود ثانية فتتخذ من مكانها ((موقعا راصدا مغذيا ورافدا (عبر الجذوع) حيث ترقب الخونة وترسم ما ترى من احباطات مذكرة بتيجان الافعال والازمان العربية المجيدة، وتاتي اشارة تاريخية في رؤى الشاعرة محذرة من عودة ابرهة الذي يتربص بالامة ، الانثى الدوائر مقتربا من سفوح الجبال. والتي عرفتها الشاعرة منذ بداية القصيدة على انها مكان (العذارى) حيث (يمتن) وحيث تصير العذراء – مكة – واحدة من قتيلات الاستلاب وضحايا العصر)) ( )

مقطع رقم 10
تغوصُ حمامةُ قلبي بأغوارهِ فعولُ فعولُ فعولن فعولن فعو
فأفوحُ شذىً لُ فعولُ فعو
أتأرجحُ مابين ليلٍ وفجرٍ، لُ فعولُ فعولن فعولن فعولن
وعطرٍ ووجدٍ ، فعولن فعولن
وما بين نارٍ ، فعولن فعولن
ونارْ… فعولن
وفي لحظة الشوقِ ، فعولن فعولن فـ
ما بين شعبينِ، عولن فعولن فـ
في شجر الجوزِ ، عولُ فعولن فـ
في جذع لوزٍ يخبّيء تاريخ آشورَ عولن فعولن فعولُ فعولن فعولن فـ
في جنباتِ الصنوبرِ عولُ فعولن فعولُ فـ
أو عنفوانِ الشقائقِ عولن فعولن فعولُ فـ
يلتاعُ جلجامشُ ، السرُّ يفقأُ فعولن فعولن فعولن فعولن فـ
عين الخطيئةِ ، عولن فعولُ فـ
تحتدمُ الارضُ في قاع وادي العقيق عولُ فعولن فعولن فعولن فعولـ
الحداةُ ن فعولـ
الحداةُ ن فعولـ
الحداةُ يصيحون بالمدْلجين الذينَ ن فعولُ فعولن فعولن فعولن فعولُ
يحزّون شعر الغزال ، فعولن فعولن فعولـ
الغزال مسجى على قاع رمل الخليج ن فعولُ فعولن فعولن فعولن فعولْ

يتدفق هذا المقطع بوجه صوفي يبث عبيره وبحثه واستكشافاته وحيرته في كل مكان..
ان اللوبان النفسي للذات الشاعرة ، يمكن لنا ان نرصده عن طريق التشكيل اللغوي للرسالة التي تبثها ،فهي ما تلبث ان تؤسس تجربتها على وزن معين حتى تغادره الى آخر وهكذا.
واذا كان تأرجحها في المقطع السابق مكانيا فنحن نجده هنا زمانيا ومعنويا.

أتأرجح مابين ليلٍ وفجرٍ،
وعطر ووجدٍ ،
وما بين نارٍ ،
نار،
وفي لحظة الشوق ،
ما بين شعبين

ويرتبط التأرجح معنويا بشيئين الطفولة والترفيه النفسي، والشاعرة تمتص هذه الدلالة وتحولها الى فعل مغاير عندما تضعها في سياق آخر.فالشعرية لا تظهر باستخدام معاني المفردات بصورها المعجمية.
والتأرجح يشير – هنا- عبر ثنائية الطباق المستخدم بشكل متتابع الى الم الشاعرة ، وعذاب الوطن الذي يلوب وهو مسجى على قاع رمل الخليج.
والنار المكررة هي ليست النار الاولى بل على العكس منها تماما فربما كانت (نار الشوق ونار العذاب ، نار المتصوف في رحلة الكشف والعذاب والسعي نحو الوصول.. او نار القرب ونار البعد او نار الحب ونار الغضب) … الخ بدليل واو العطف التي تنفي المماثلة بين المعطوف والمعطوف عليه.
ان هذه الثنائية منحت المشهد دلالتين متعاكستين ، تستمد كل منهما خصائصها من تراكم الصور التي تبثها الشاعرة باستخدام الفاظ تحمل معاني مفتوحة وذات ايقاع ينساب على اللسان بسولة . وكأنها تضع المتلقي امام مقارنة حقيقية بين واقعين من حال الامة او الوطن ، وربما الذات التي تتحد بهما.
وتكثر الشاعرة في هذا المقطع من تركيب جملي (مضاف + مضاف اليه)يشحن لغتها بايقاع خفي تستملحه الاذن الموسيقية من غير ان تبحث في معالمه ، فصيغه التركيب هي التي تعاود نبرات نغمية ، فتعطينا ايقاعا متوازيا عند تكرارها ( حمامة قلبي ، لحظة الشوق ، شجر الجوز ، جذع لوز ، تاريخ آشور ، جنبات الصنوبر ، عنفوان الشقائق ، عين الخطيئة ، وادي العقيق ، شعر الغزال ، رمل الخليج ) ، وكانها تحرص على قضية الانتماء التي تعد واحدة من اهم مرتكزات الهوية.

المقطع رقم (11)
-ياقمر البستان ْ مستعلن مفعولْ
عرّج على الشرفةْ مستفعلن مفعو
فوجهك الفتانْ متفعلن معول
يموت في سعفةْ متفعلن مفعو
-ياقمر الجبالْ مستعلن معولْ
عرج على السفوحْ مستفعلن معولْ
فوجهك الفتانْ متفعلن مفعولْ
يولد في الجروحْ مستعلن معولْ

بعد لوعة جلجامش ، وارتداد صدى الحداة الى مسامعهم دون ان يلامس مسامع ابناء جلدتهم ، وبعد جز المدلجين شعر الغزال (الوطن) حتى آل به المآل مسجىً على قاع رمل الخليج ، تعاود الذات الشاعرة ابتهالها مرددة نداءها السابق (في المقطع الخامس) محملة اياه وقع التراتيل الدينية فهي تابى الخضوع والانقياد لقوى الشر المعادية ، وما تجديد ندائها للقمر – الذي ذكرنا دلالته سابقا – الا دعوة مستمرة لاستنهاض الوطن مره وحمايته من الشر اخرى. اذن فقضية الوطن هي قضية الشاعرة (( وهكذا عندما تصل القصيدة الى قمة الشعور بالحزن ينهض الفن والشعر ليعوض عن عذاب الواقع ليلتفت الى رمز الحياة والحب والتواصل والخصوبة وتقوم ياء النداء بفعل مهم وهو بصوت الانثى الذي يدعو الى الاندماج ، فسعفة نخيل العراق بالنسبة للعرب والعراق على وجه الخصوص هي رمز للامومة فهي تشبه الام بتكاثرها البايولوجي بالفسائل ، لذا فهي رمز لاستمرار الحياة فضلا عن كونها ملجأ أمينا للعراقي الذي يلوذ بها من وطأة حر الشمس ، وهي شجرة الصمود ،ورمز الخلود، لذلك فالموت في سعفها انما هو ولادة ، وهذا ما يتأكد في الصورة التالية من ولادة وجه العراق في الجروح))( ).

المقطع رقم (12)
وشريفهم في الليلِ متفاعلن متْفاعـ
يضرب كفّهُ لن متفاعلن
ماذا سنفعل دونما تترٍ؟ متفاعلن متفاعلن متفا
همو وعدوا سيأتون العشّيةْ علن متفاعلن متْفاعلاتن
والعلقميّ اذا تأخرَ ، متْفاعلن متفاعلن متـ
من سنعطيه مفاتيحَ القضّيةْ فاعلن متْفاعلن متْفاعلاتن
يختضّ تاريخ الرماحِ مْتفاعلن مْتفاعلن مـ
على ظهور علوجهم تفاعلن متفاعلن
ترتجّ احذية البرابرةِ متْفاعلن متفاعلن متفـ
التتارِ اعلن مـ
على سفوح جباههم تفاعلن متفاعلن
يا ويل ماضيهم من آلاتي متْفاعلن متْفاعلن متْفـا
وآتيهم من الاصنام والازلامِ علن متْفاعلن متفاعلن متْفاعـ
والزمن المضّرج بالاسىّ لن متفاعلن متفاعلن
ومجازر التفاح متفاعلن متْفاعـ
هذا البحرُ غربانٌ، لن متْفاعلن متْفا
واوحالٌ، علن متْفا
ودمْ علن
ومراكبٌ تهوي، متفاعلن متْفا
وأخرى تحتدمْ، علن متْفاعلن
والبحر أهدى الفجر قبعةً متْفاعلن متْفاعلن متفا
وراحْ علان
لم يستبح ورد الطفولة متْفاعلن متفاعلن متـ
بانبلاج الافق كان البحر يؤمنُ فاعلن متْفاعلن متْفاعلن متـ
بالخطيئةِ، فاعلن متـ
بالرياحْ فاعلان
باللعنة الكبرى متفاعلن مْتفا
وبالوطن المباحْ علن متفاعلان
أبوابُ حيفا مذ خرجنا متْفاعلن متْفاعلاتن
ظلّت مفتّحة لاسراب النميمةْ متْفاعلن متفاعلن متْفاعلاتن
سفرُ الجريمة أينعت أغصانهُ متفاعلن متفاعلن متْفاعلن
وعناكب الديجورِ متفاعلن متفاعـ
تحجب في الربى ورد الصباحْ لن متفاعلن متفاعلان
ماذا ستعطيك الحياةْ متْفاعلن متْفاعلان
النار اشعلت السنابلَ متْفاعلن متفاعلن متـ
في الحقول فاعلن مـ
ونارهم غرّاءُ تفاعلن متْفاعـ
لاتؤذي القتيل لن متْفاعلن مـ
حضارةٌ زهراءُ تفاعلن متْفاعـ
من دمنا اكفهمو تسيلُ لن متفاعلن متفاعلن مـ
فلا تمت في القيظ تفاعلن متْفاعـ
لاماءٌ لن متْفا
ولا خبزٌ علن متفا
ولا قمرٌ ظليلْ علن متفاعلان
أعطتك هذي السنديانة ذاتها متْفاعلن متْفاعلن متفاعلن
وهبتك عرشاً يستريحُ متفاعلن متْفاعلن مـ
ولا يريحُ تفاعلن مـ
فلا تبع تاج الطفولةِ تفاعلن متْفاعلن متـ
فالجبال هي الجبالُ فاعلن متفاعلن مـ
هي الجبالْ.. تفاعلان
وشجيرة الرمانِ ألقت زهرها متفاعلن متْفاعلن متْفاعلن
فوق الرمالْ متْفاعلان
ماء يسيل من الغصونِ متْفاعلن متفاعلن مـ
الى يمام الروحِ تفاعلن متْفاعـ
اجنحة تحط على ذرى القلبِ لن متفاعلن متفاعلن متْفـ
الجبال منافذ للبحرِ اعلن متفاعلن متْفاعـ
ذاك البحر كان أذايِ لن متْفاعلن متفاعـ
كان مظلةً سوداءَ لن متفاعلن متْفاعـ
كان البحرُ مرسالي الى قيظ الجزيرة لن متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلاتن

يبرز في هذا المقطع ايقاع جديد يعتمد على تفعيلة (متفاعلن)، لم يستخدم في القصيدة من قبل، اذ ترد نواة الكامل فيه على اربعة صور (متفاعلن، متْفاعلن، متفاعلان ، متفاعلاتن). وقد تجاوزت نسبة التفعيلة المضمرة (متْفاعلن) 50% من مجموع تفعيلات المقطع، وهذا
الكم من زحاف الاضمار يحقق دينامية عضوية لتناسل ايقاع الرجز في سياق الكامل، ويهيء نوعا من التوافق الايقاعي في حالة الانتقال الى المقطع اللاحق المتكيء على تفعيلة الرجز، فضلا عن كون الزحاف المذكور يبطئ من سرعة وزن الكامل او تفعيلته المستخدمة في الشعر الحر.
كما حرصت الشاعرة – هنا – على انهاء جملها الشعرية بتفعيلة الكامل المعتلة بزيادة (تذييل او ترفيل) مما اعطى القافية وقعا خاصا ممثلا بامتداد التفعيلة.
ومن البديهي ان سرعة التفعيلة كلما قلت باستخدام زحاف الاضمار فان زمنها يزداد ، كذلك عندما تطرأ عليها علة زيادة، وهذا مؤشر خارجي انعكس عن الشعور الداخلي للذات الشاعرة بالزمن وهي تصوغ هذا المقطع. اذ ترشح من قراءتنا له ان زمنه قد طال ، فوصل عدد سطوره الى 59 سطرا حتى اصبح اطول مقطع في القصيدة.
ونلاحظ ان الشخصيات المعروضة بشكل تصويري في مشاهد ممنتجة يظهرها النص في حالة من الشعور النفسي بالزمن الطويل ، بينما الزمن هو هو ، ولكن لما كانت تلك الشخصيات ترتقب حدثا لم يتحقق بعد فان احساسها يصور لها ان الزمن ليس بالزمن العادي، مثلما كان شعور امريء القيس بليله الطويل.
ان المقطع يبدأ برفع الستار عن مشهد حركي لشريف الخونة تخرجه الشاعرة بهيئة الخائف المرتقب الذي طال انتظاره لاسياده (اعداء الامة) ، احفاد التتر، فهو يضرب كفه ويتساءل في حيرة من امره ليلا والليل هنا ساتر الجريمة، ظلامه رهين بظلامها. ولغة النص – هنا – تبتعد عن المواربة وتجنح نحو الافصاح لتكشف جرائر الخونة من حكام تآمروا على العراق . ويتخذ النص من العلقمي (الذي سلم مفاتيح بغداد في السابق للتتر) قناعا سلبيا لكل من يتامر على الامة.
والشاعرة توظف الضمائر دون التصريح بعائديتها الى اعلام معينة او تعريف لها ، ولكن تشحنها بدلالة سياقية تعطيها هوية معرفية يتوصل اليها المتلقي من خلال الافعال التي تقوم بها تلك الضمائر.

وشريفهم في الليلِ
يضرب كفهُ
ماذا سنفعل دونما تترٍ؟
همو وعدوا سيأتون العشيةْ

ولم يكن اثر الزمن على الخونة فحسب بل على الذات الشاعرة ايضا ولكن كل على وفق رؤيته ، فزمنها طويل مضرج بالاسى لتتابع المجازرفي اهلها واستباحة المحتل وطنها، لذا فهي تقف طويلا مع البحر معاتبة اياه تلومه، وهو ليس بحرا واحدا في الحقيقة بل عدة ابحر توحد فعلها ضد العراق (البحر الابيض المتوسط، البحر الاحمر، الخليج العربي، المحيط الاطلسي، المحيط الهندي) هذه البحور انقلبت غربانا واصبحت مصدر شؤم للذات الشاعرة (للوطن) لانها آمنت بتبعيتها للعدو الخارجي والداخلي بالخطيئة (الاحتلال) وبالوطن المباح، ونتج عن ايمانه (البحر) ان اهدى فجر الامة (استشراقها) بيوم جديد يزيل براثن الخونة والمحتلين، قبعة والقبعة ليست من لباس الامة العربية اذ هي من تراث المعتدي متمثلا برعاة البقر. وكان البحر يريد ان يغير ملامح الامة بزيف حضارة المعتدي لذا كان مصدر اذى للذات الشاعرة.

ذاك البحر كان اذايَ
كان مظلة سوداءَ
كان البحر مرسالي الى قيظ الجزيرةْ

ولما احست الشاعرة بالزمن الطويل الذي يمر على الامة وهي في حال يسودها تظليل اسود، عادت الى الابتهال الذي نجده في المقطع الاتي لعله يخفف لوعتها او يحقق غايتها المنشودة في الامل المفقود في الوقت الحاضر. فهي ترى كل السبل لعودة الامة الى مجدها متوفرة والفرصة مواتية، فالشجرة (الدوحة العظيمة، الامة) وهبت نفسها لمن يقودها ويملأ الارض عدلا، فاليونان سابقا تعتقد ان الالهة تجعل من اشجار العادلين السنديانة( )، والجبال (الرجال) هي الجبال بشموخها وقوتها وثباتها ، والخير وفير في بلاد العرب حتى ان الماء يسيل من الغصون وعندما تتوفر السبل ويعطلها اهلها تلجأ الذات الشاعرة مرة اخرى الى القمر مصدر النور الذي يبدد ظلام الليل.

المقطع رقم (13)
-ياقمر المنفى، مستعلن مفعو
عرّج على البيوتْ.. مستفعلن معولْ
فوجهك الابهى، متفعلن مفعو
ياقوتةٌ تموتْ مستفعلن معولْ
-ياقمر الصحراءْ مستعلن مفعولْ
عرّج على الواحاتْ مستفعلن مفعولْ
فوجهك الوضّاءْ متفعلن مفعولْ
يذبل في الفلاةْ مستفعلن معولْ

انه ابتهال العذاب هذه المرة لان القمر بدل ان يضيء المنفى كان قمرا يحتضر ويموت، وبدل ان يبدد تيه الصحراء بانواره ويمنحها الرواء والجمال كان يذبل في فلواتها…
ويتكرر النداء الموجه للقمر بنفس النسق التركيبي الذي جاء في المقطعين الخامس والحادي عشر ، يتكون المقطع من جملتين شعريتين قصيرتين متوازيتين تركيبيا، تبدأ كل منها بحرف النداء (يا) + منادى (القمر) + مضاف اليه ثم يتبعها فعل امر ثابت لم يتغير في المقاطع كلها (عرج) + جار ومجرور، ثم ياتي السطر الثالث من كلمتين الاولى ثابتة (فوجهك) والثانية متغيرة صفة لوجه القمر . ثم تختتم الجملة بسطر رابع يبين حالة القمر بعد مناداته.
من متابعة المقاطع الشبيهة بالابتهال (5، 11، 13) ومقارنتها مع بعضها البعض نستنتج ان حرف النداء والمنادى (يا قمر) وفعل الامر (عرج) وكلمة (فوجهك) كلها ثابتة لم تتغير، ومن هذا الثبات نخلص الى ان رؤية الشاعرة واضحة وموقفها ثابت ويقينها بالخلاص مستقر لم يتزعزع بفعل العوامل الجسام المحيطة بها.
ان نداء الشاعرة القمر والتماسها اياه بان يعرج على (السفوح، الحقول، الشرفة، السفوح، البيوت، الواحات) هو اتحاد روحي مع الاخر (المحب مع الحبيب) وامتصاص متبادل من قبل الطرفين الاول رمز الذكورة (القمر) عند العرب والثاني رمز الانوثة (الالفاظ المذكورة اعلاه) وبهذا الاتحاد تكتمل دورة الحياة (حياة الوطن) فيولد من جديد بصورته المشرقة في الفلاة والصحراء والبيوت والسفوح والجبال والحقول.فالقمر رمز الحماية والرعاية والحنان والابوة فهو القوة القادرة على الاحتواء، لذا فالنص دعوة الى الحياة، دعوة للانفتاح على النور والمستقبل. لذا تتساءل الذات الشاعرة اهذا زمان الرجوع؟ فهي تتساءل بدليل انت تكتبه. انها تكتب زمن المغادرة مغادرة الهزائم والنكبات وذبح الانسان.

المقطع رقم (14)
اهذا زمان الرجوع.؟ فعولن فعولن فعولُ
إذن فعو
انت تكتبه، لن فعولُ فعو
وتهادنُ سراً يمزقنا، لُ فعولُ فعولن فعولُ فعو
لانبوح به.. لن فعولُ فعو
نكتوي، لن فعو
لا نبوح به لن فعول فعو
ونسير الى حيث تهوى المسير لُ فعولُ فعولن فعولن فعولُ
إلى حيث ريح الصبا غضةُ فعولن فعولن فعولن فعو
والمناديل آمنةٌ لن فعولن فعولُ فعو
والمنايا نذور لن فعولن فعولًُ

تنهي الشاعرة قصيدتها بمقطع اخير تبدأه بتساؤل عن زمن الرجوع ، الرجوع الى ماذا؟ ماضي الامة وحضارتها وامجادها ام الرجوع الى بداية القصيدة وحالة اللوبان المصاحبة للذات للوطن .
ان النص هنا يعود الى ايقاع المقطع الاول من القصيدة حيث يظهر وزن المتقارب او تفعيلته (فعولن) مع امكاناتها الزاحفة ولكن الشاعرة تعطي خاتمتها مضمونا اخر يختلف جذريا عن بداية القصيدة اذن هي تحافظ على الايقاع وتغير مضمونه فاذا كانت بداية النص ذات ايقاع يحتضن دلالة سلبية تشير الى واقع الوطن والامة في حالتها المتمثلة باللوبان وانتهاك الاعراض (الجبال صبايا تجز ضفائرها الطائرات) ، وتطاير الشظايا في كل مكان ، فانها تعيد ذلك الايقاع ليحتضن دلالة ايجابية تشهدها الامة بحيث تستحق الكتابة والتوثيق فالكل يسير الى حيث ريح الصبا غضة، والمناديل تلوح بأيد امنة وتصبح المنايا (سفك الدماء) نذورا وتضحيات لزمن جديد يحتضن السلام والامن وكرامة الانسان.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: