قصيدة حكاية للشاعرة بشرى البستاني: قراءة تأويلية.. فارس عزيز المدرس

 ماهي العلاقة بين المؤلف والنص؟ وهل يُعد النص الأدبي كيانا مساويا لقصد المؤلف؟ وهل من الممكن النفاذ إلى العالم العقلي للمؤلف من خلال تحليله للنص المبدع؟ فإذا سلمنا ابتداء بوجود مرجعية وترابط بين المؤلف والنص على اعتبار أن النص تجربة وشعور ممتزج بالفكر – وهذا هو واقع الحال بعيدا عن التعسف وأحادية التصور – فأننا مع ذلك لايمكن أن نسلم بإمكانية استحضار مجمل معنى النص كما أراده صاحبه؛ فاللغة مهما استطاعت التعبير عن معنىً ما فان تعبيرها هذا يبقى عملية بعدية للتصور الذهني؛ بمعنى أنها لايمكن أن تنقل إلى المعنى العام عبر مفرداتها ودلالاتها المجازية التي جرى تواضع الناس عليها بالمجمل وليس بالحصر على التحقيق. ثم أن التلازم بين المعنى وبين مبدعه متأتٍ من أن فهم النص الإبداعي رهينُ ملازماتٍ نفسية وتاريخية شاركت في إنشائه؛ وبالتالي يبقى حضورها فيه قيمة قصوى على صعيد التجربة وعلى صعيد فهم دلالات المعنى. وليس في صالح النص تغييب هذا الحضور فتغييبه يعني ابتسارا للمعنى ألأصلي للنص وربما التعبير عن تجربة أخرى قد لا تتوافق مع تجربة المبدع ذاته. فإذا تجاوزنا هذا هل لنا أن نتساءل ما هي طبيعة العلاقة بين المؤلف والنص؟ وكيف نقيسها؟ ثم ما هي إمكانية الفهم الموضوعي؟ أي فهم النص كما فهمه مبدعه أو كما أراد أن يفهمه الآخرون على ألأقل. هذه مجمل الأسئلة التي يثيرها الدرس الهرمنيوطيقي الحديث قبالة معضلة التأويل. التأويل الأدبي طريقة للكشف عن مخبوء في ما وراء اللغة للوصول إلى معنى يحتمله النص، بمعنى أنه عملية معرفية قبل أن يكون ممارسة نقدية أو لغوية بحتة، وبهذا يكون له جدوى تواصلية مع النص بمنأى عن أي نزوع ذرائعي يهدف إلى تجنيد النص لأي غايةٍ كانت. والتأويل مهما هدف لأن يكون قراءات داعية لانفتاح مخصوص بتحرير النص من علائق القراءة التاريخية فأنه يبقى فيه الكثير من ذاتية القارئ، ويبقى فيه الكثير من ذاتية الكاتب أيضا والتي لايمكن فصلها عن سياق النص، على عكس ما يرى گادمار: Gadamarالذي أسهم في تحطيم إطار المعنى الموضوعي إلى حد بعيد بمساندته فكرة الاستقلال الدلالي للنصوص، تلك الفكرة التي تعني أن اللغة المكتوبة ستظل مستقلة عن العالم الذاتي لأفكار الكاتب، ولهذا فهو يلغي الحقيقة التجريدية للنص؛ ليصوغ لها حقيقة مستجدة عبر فهم المتلقي التي قد تختلف كثيرا مع ما تصوره أو أراده المؤلف. لكن گادمار نسي أن الحقائق لاتقبل التعدد والتجزئة على الدوام. ومع هذا فإن النزوع التاريخي ليس الأساس في فهم النص كما أن اعتماد مرجعية اللغة بمفردها أيضا قاصر على إدراك المعنى؛ فللغة ذات أساس تجريدي من حيث المبدأ، والكلمات مصوتات دالة على كيان ساكن إلا إذا إقترنت بملازمات أخرى تكشف عن منحاها الدلالي عبر التأليف والنظم وما له من ملازمات اللغة لفهم النص منها المنحى التاريخي وحضور خيال المتلقي وثقافته وذوقه؛ فهذه العناصر مجتمعة تشكل مجمل عملية التأويل الذي يعطي للنص ولصاحبه حضورهما وتقييميهما الحقيقي. لذا فإن التأويل عملية حرة ومنضبطة في آن واحد. ومرجعية اللغة ضابط للمؤلف وللمؤول كليهما؛ بمعنى أن المؤلف عليه الالتزام بما تفرضه اللغة من دلالات تجريدية بادئ ذي بدء، فهو بممارسته الكتابة بها يكون قد نزل عند التواضع اللغوي الذي شكل احد أكبر مكوناتها. وبنزوله عند هذا التواضع يكون قد كون لنفسه ولنصه حصانة لازمة له وللقارئ، لكن حرية المؤلف وسعة حركته تتأتى من نظم النص الذي أفاض عبد القاهر الجرجاني بالحديث عنه؛ وهذا النظم هو ما يتجاوزه الكثير من المنظرين في مجال النقد التأويلي على الخصوص فيقعون ضحية التجزئة في فهم وتحليل الأحوال والحقائق. وتأتي السعة أيضا من الصور الفنية وما تستحضره من مجازات وكنايات واستعارات ورموز تشكل بمجملها انحرافا وانزياحا عن الدلالة المباشرة للغة. فالمؤلف ليس مقيدا بالتزامه بمرجعية اللغة تقيدا آليا؛ فما يرغب فيه من انزياحات وانحرافات ورموز ومجازات أمر ممكن بحضور هذه مرجعية اللغة. ويرى شيلرماخر أن اللغة تحدد للمؤلف طرائق الأسلوب الذي يسلكه في التعبير عن فكره ابتداء؛ لكن المؤلف من جانب آخر يعدل من معطيات اللغة وهو لا يغير اللغة بكاملها وإلا صار الفهم مستحيلا، هو فقط بامكانه تعديل بعض معطياتها التعبيرية ويحتفظ ببعض معطياتها التي يكررها وينقلها وهذا ما يجعل عملية الفهم ممكنة في الحد الأدنى من التواضع الدلالي بين الناس. وهذا يتشكل بين القارئ وبين المبدع شراكة تضمن لكليهما التواصل البناء وصيانة النص عن سوء الفهم. وفيما يلي قراءة في قصيدة الشاعرة د. بشرى البستاني؛ يجري فيها التأويل على وفق ما مر أنفا من اعتبارات وملاحظات. هذه القراءة قد لاتفي بما يستحقه النص لكنها على أية حال سياحة في آفاقه ومضا منه وجمالية. حكاية مرة .. قلت: أني احبك، فانهمر الورد، وارتبك الشجر الغض واشتعلت غابة النخل، والتحمت مجزرة، وسالت دماء، وكرّ، وفرّ رجال وغاب رجال، وكل النساء انضوت تحت رايتنا، والصغار أووا تحت خيمتنا واسترابت عيون العواذل لكن زندك ضم مع الفجر خصري تهاوى الظلام صريعا، تهاوت فلول العواذل صرعى و أشرعت وجهك ، للمرة العاشرة…..! غالبا ما تشتق عناوين الأعمال الإبداعية من سياقات وأحداث ومفاهيم لها مضمون نفسي جمعي؛ لذا يكون لها إيحاء عمق الدلالة واسع الطيف. وبما أن العنوان بحد ذاته لوحة مصغرة عن الفكرة أو التجربة التي يتصدى لها المؤلف؛ فلقد اختارت الشاعرة كلمة حكاية تحديدا واستبعدت لفظة قصة لما في دلالة “حكاية ” من اثر عميق في الشعور؛ فالحكاية غالبا سياق قصصي يكثف تجربة نفسية وتاريخية محتفرة في ذاكرة المجتمع؛ تثير فيه هاجس الخيال والحلم؛ وتفعّل فيه عنصر البطولة أو المأساة أو أي شيء لازمَ اغلب حكايات الماضي. ثم الحكاية بهاجسها النفسي حدث يخرج إلى حيز الشيوع الذي لا يخص فردا بعينه؛ بل هو ملك للجماعة؛ على خلاف القصة التي كثيرا ما تحددت معالم شخصياتها وأحداثها زمنيا. أما الحكاية فتوحي بانفتاح مرجعية الحدث وشخصياته بلا حدود قد تصل – وغالبا ما تصل – إلى مستوى المجهول؛ لكنها تبقى ملكا لهاجس وذاكرة المجتمع الذي ولدت فيه؛ وهذا في الحقيقة ليس تعريفا للحكاية ولا تمييزا لها عن القصة بل هو استدراك تصوري لها قد لا يخرج بعيدا عن الرأي الشخصي لكنني أجده فاعلا حاضرا في ذاكرة المجتمع. ولو أسمت الشاعرة القصيدة قصة لأفرغت محتواها من ظلال وضربات شاعرية ونفسية مهمة في رسم معالم أجواء القصيدة التي اعتمدت الرمز قصدا جماليا لا غموضا مفتعلا مرتبكا. تبدأ القصيدة بوصف عاطفي لحس الانتماء والحب الذي يختلج في نفس الشاعرة تجاه حبيب مفعم بالحبور ومترع بمعاني الشوق. هذا الحبيب كان حبه يشعل في قلب المحبوب نارَ جوىً بقدر ما يلهب النيران والفجائع في واقع الحال؛ ذلك لان هذا المحبوب أوشك أن يكون أسيرا لإرادة الكره والعدوان التي لأتسمح لمثل هذا الحب أن ينمو رغم تلقائيته ومشروعيته. هذا الأسير هو الوطن الذي تريد له إرادة الشر أن يبقى مكبلا إلى حس يتفجر تفانيا وانتماء وعشقا. والحقيقة أن التشخيص في القصيدة ينصبُّ على الوطن الذي تشكل في هيئة حبيب ملأ الحب قلبه، ولا يستبعد أن يكون الحبيب هنا شخصا بذاته كأن يكون جنديا أو ثائرا؛ أو كل هذا مرمّزا في شخصية الحبيب؛ لكن الرمز الذي يعطيه التأويل للوطن أبلغ وأرفع على مستوى الصورة والوجدان من شخص بذاته؛ لأن الوطن هو كل هؤلاء بما تنطوي عليه شخصياتهم ومآثرهم وآمالهم. ويأتي انهمار الورد ليعني فيضا من المشاعر الحية الدافقة؛ شأنها شأن انهمار المطر الغضير؛ الذي هو فيض من فيوض الفطرة التي تتحول بالاستعارة إلى فيض من عشق. هذا العشق هو الذي أربك الشجر بكل ما يحمل من معاني الخير والعطاء. ترى ما الذي أربك أهو الخجل من قوة الحب وفاعليته في النفس أم ارتبك وأرتاع لهبوب ريح صفراء على خلاف نسمات الربيع التي كانت حين أعلن هذا الحب عن نفسي أو بقي يعتمل فيها؟ لا يهم؛ فالتأويل في كلا الحالتين قائم؛ وهو بهذا المعنى ونقيضه يعطي خصوبة لفكرة القصيدة. لكن الصورة هذه وما بعدها ترجح مفهوم الريح التي تربك الشجر بعصفها وغطرستها لتشعل غابة النخل؛ وتتركها هشيما تذروه الرياح، ولاشك فإن النخلة رمز آخر من رموز العطاء؛ رمز العراق وخيراته الدافقة عبر السنين؛ هذه النار التي أشعلت بفعلها ذرى السّعفِ هي نار الحرب … نار الكراهية التليدة في نفوس ناصبت العراق الكره منذ القدم ولمّا تزل. وعلى أثر هذه الريح تشتعل الحرب ويتصدى لها رجالٌ … جنودٌ شجعانٌ. ولقد استعملت الشاعرة لفظ رجال تحديدا لمزج معنى الرجولة وتداخله في صفات هؤلاء الجنود، وهو استعمال قصدي لا يراد به تميز الجنس؛ فالجندي في واقع الحال مفهومه أقرب لكن تشخيص صفة الرجولة والعنفوان إقتضى استعمال العام وتكثيف معناه. ثم اشتعلت ذرى السعف وأرتبك الشجر فكان موتٌ وكان فراقٌ وكانت لوعة؛ ولكن في هذا الموت والفراق الممتزج بالحب كانت هناك لحمة ووحدة وانصهار ضمير شعب بكامله تحت راية هذا الوطن؛ تحت زند محبوب لا نقول عنه محاربا ولكنه وطن تشخّص في كيان جندي مضحي؛ فهما واحد؛ وهذا شيء من الغموض جميل يثير أسئلة خصبة. وهذا العطاء وهذا الحب هو ما أشعل نارا أخرى في نفوس العواذل؛ والعواذل هنا لفظ أقرب إلى ذي قربى منه إلى أعداء حقيقيين لكنهم سقطوا في براثن الأنانية فكبُر عليهم أن يحيا هذا الحب وينمو ويتسامق. وهكذا كانت أحوال أشقاء العراق الذي بقوا يتلذذون بمآسـيه آملين في انكساره؛ لان نصره وعنفوانه يعري صغارهم وضعفهم. أشقاء حكام لا عشقَ لهم ولا ورد ينهمر تبصره مشاعرهم وضمائرهم؛ أي لا وطنية وتفاني بل هم أشلاء تحيا على هامش التبعية وأصنام كبيرة لكن ليس فيها شيء من عفة الصنم؛ وهو ما حصل بالضبط في واقع الحال. لكن قوة الانتماء بقيت قائمة تمتد وتتفاعل بين المحبين ليعبر الزند هنا عن معنى القوة الاحاطة لكن أي قوة؟ إنها قوة الاحتواء …. قوة الحب والطمأنينة؛ فليس هناك أدق من احتواء الزند للخصر تعبيرا عن الحنان في النفس بمنأى عن أي معنى غريزي أو حسي بحت وهو ما لا وجود له في جو القصيدة عموما. ومتى كان هذا الاحتواء مع الفجر … مع انبثاق الأمل والنور فهنا سيجتمع ثلاثي الحب والقوة والأمل ليشكل معنى الانتصار والبقاء برغم العواذل الذين تهاوت فلولهم. فالزند قوة والخصر معنى؛ معنى أنثوي يعبر عن حالة الاحتواء واللحمة الشعورية وليست اللحمة الجسدية بذاتها؛ لذلك أرتبط هذا الاندماج مع صورة الفجر؛ صورة العطاء والنور. والتداخل بين الاندماج الأنثوي بالعطاء الرجولي ينتج فيما ينتج حياة وديمومة لذلك كانت الصورة بين الوطن الحبيب والعاشقة إيحاء لهذا المعنى ولكن بما يحمله من معنى يكثف حالة الوجود والديمومة. وتعبير ” فلول ” يرتبط بالمعنى الأول للحرب التي أرادتها إرادة الشر والتي انتهت بانتصار إرادة الخير وألامل على الرغم من معاني الفراق والموت التي أشارت إليها من بعيد من همسات القصيدة لتشغل الأمل في أوجدةِ القراء الذين يعرفون تماما ما تعني الشاعرة وما ترمز أليه في مجمل أجواء القصيدة. وهكذا يبقى الإباء ويبقى الوطن مشرَعا شاخصا كالسيف؛ أو قل كالعلم أو الشراع في مهب أي ريح كما كان على الدوام؛ إذ أن حملات الشر مستمرة متعددة وستبقى تحاول لكن عشق الوطن يظل شاخصا يفيض بالعطاء ولا سبيل إلى إلغائه ومصادرته. وقول الشاعرة: للمرة العاشرة لا يمكن تؤيله تأويلا قطعيا لانعدام القرينة المباشرة؛ لكن هذا النمط من التعبير على التحديد تعبير شعبي عن التعدد والكثرة؛ فإن كان فيه معان أخرى خافية فهو أبدا لن يخرج عن معنى ديمومة الصراع بين الحب والكراهية بين الشر والخير، بين النور والظلمة، بين الانكسار والهزيمة؛ وهذا هو مجمل مغزى النص . والملاحظ على جو القصيدة العام أن أسلوبها ليس أسلوبا مباشرا بل أسلوب مفعم بالصور والرموز والاستعارات والانزياحات؛ لكنه نص يرتبط ارتباط شفافا وعميقا بمرجعية اللغة؛ وهذا ما يميز أصالته، مما يعني أيضا أن التأويل يسير على وفق احد أهم الضوابط التي أشرنا إليها ابتداء. ومن خلال هذه المرجعية الدلالية للغة وارتباطا بتقنيات التعبير وبذاتية الكاتب وتاريخانية النص أصبحت القصيدة قابلة للقراءة عبر تأسيس شراكة إجرائية وعملية بين المؤلف والقارئ؛ وبهذا يزول عنصر الاغتراب والانفصام الذهني؛ مع استمرار حيوية التأويل وقبول النص للسياحة في أفاقِ قراءاتٍ متعددة منضبطة بما مر أنفا من قواعد ومرجعيات.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: