سيدة النار والليل.. ياسين طه حافظ

 

لكِ أن أبتدي بكتابة سيرتك الغامضة

أقتفي :

وهَجَات الضياء الذي يترامى كريش الطواويسِ

تنثره خطواتُكِ حين تمرّ بذاكرتي

وانكسارَ المساءات فوق نوافذ مغلقة ٍ

ومرورَكِ كالظل فوق حشائش مصفرّةٍ

تتحاشين أوجاعِهَا

وأميل على سندٍ لأتابع خطوكِ ساهيةً في الطريق ِ

ولا شيء غير الشوائب، تستذكرين النهار وما فيهِ،

وجهك ظلَّلهُ الغيمُ،

حتى إذا لاحت البابُ، ينحسر الغيم عنه ُ

وتشرق وردتُه في الوصولْ .

كنتُ أبعد من هذهِ، كنتُ في حرج الانعطاف المهينِ،

وحين ابتدأتُ كتابة هذي الفصولْ،

كل المرور توقف لحظتَها إذ عبرتِ

وأُعجب صادف وسط الدخان عبوري!

كَيف يجتاز قلبي خنادق مملوءةً بحطامِ معاركَ خاسرةٍ

كيف أمضي بأروقةً أُطفِئَتْ من زمانٍ، فلا عالمٌ أقتفيهِ؟

ولا أنت أوقدتِ ضوءاً لأدنو-

(الرسائل تطفو

ووجهكِ يأخذ فيه الشحوبُ مقرّاتهِ..)

ويشاغلني الحبُّ، يكلمني في الرخام الصقيل

يقبّلُهُ المطر الحلوُ،

أهجسهُ يوقظُ أحزانكِ الخفِراتِ

واسمع ما بين حين وحينٍ

خطاباً خفيّا يُضيء ممراتِ روحي

(التفاصيل مربكةٌ لهدوئك، سيدتي، أنا مثلك اجهل كيف

تتم الأقاصيص، أعجب أني أرى الحب مكتمل الزهر،

سيدتي، خلِّني أكمل الكلام🙂

فأنا كلّ ليل أراكِ

من الباب للنار والنار للباب، خطوكِ

يأتي ويمضي، الجمال الذي حجبته الكآبةُ

يأتي ويمضي، وشال حرير هو الحزن يغفو

على كتفيكِ..

تأتين تمضين وحدك في البيتِ..، هذا الشقاءُ

الذي ليس يُعلنُ أكشفهُ من وراء المفاخر والزهو

أكشفه للحياة، فأني هنا ، مهنتي

أجمع الومضَ

أجمع ما يتساقط من ورقٍ

استعيدُ مواسمَهُ

ومن الباب للنار والنار للباب تأتي وتذهب

سيدة النار والليلِ …، لا سرَّ بعدُ

فدفتر أيامك يُلقي عواطفهُ خِلْسَة

في التلفّت،

أو في ارتعاشة كفكِ تمسح واهنةً قطراتِ المطرْ

قد أضلّكِ ظنُّ أضلَّ سواكِ، الغناء الحزينُ

يمرُ بزيتونة الباب، يأتي لنافذتي ويمسُّ

يديَّ، يمرُّ على مكتبي وسريري .. فلا سرّ بعدُ

أنا كل ليلٍ أتابع خطوكِ عائدةً في النهارْ،

أتأمّل تلك التي تستدير إلى بيتها

ظلُّ ماضٍ نسيتُ وآتٍ تمنيتُ يلتقيانِ

عليها فتولج في غيمة من ظلالْ.

رأسُها ينحني

عبءُ شعْرٍ، أسى عالمٍ مُكرهٍ،

وجعٌ آخرٌ  (التفاصيل متعِبةٌ)

تعبر الآن، مفردةً في الطريق وتدخلُ

في بيتها الموصلي..

ويبقى الرخامْ

وتبقى الارايل عريانةً في الفضاء

وتبقى الستائرُ مُسْدَلةً

وعلى الشرُفات ينام الحمامْ.

هو ذلك بيتك سيدتي

وهي تلك الحياة النبيلة وسط الزحام محَيَّرةُ

لا خيار سوى يَبَسِ الشفتينِ،

شجيُّ كتابُ الحياة ْ .

هذه صفحةٌ ربما هي طارئة وتثيرُ ارتيابكِ،

ربما لا ترين بها عجباً، فهي كل الذي تترك

الروح من إرثها.

صفحةٌ خالية

جمعت وهجَيْن وما التقيا مرةً خارج الشعرِ

إلا لكي يوقدا الضوء في الساحة الخاوية

فأنا في المساء المَغيم أُتابع ايماضةَ الروحِ

بين يديكِ وأقرأ ما تكتبينهُ،

حرفاً مضيئاً وحرفاً يضيّع أسراره

ليظل بعيداً عن القبضة اليابسة.

كانت الريحُ سيئةً،

ما تزال كما كانت الريحُ، سيئةً

وكلانا بلا موعدٍ نبدأ العدَّ منتظرينَ

انكسار الشتاءِ،

ولكنها ظلمات البلاد الفقيرة، لكنها

ظلمات البلاد التي لا تفارقُها في الصباح التفاهةُ،

لكنها

الأوجه المستطيلةُ والحدقُ الدائرة.

وأنا أتسلّلُ عبر قذارة تاريخهم

ورثاثة ما أنتظر،

لأرى شعلةَ الله تخفق في الغيم قبل انطفاء

إشارتها ..

بدأ الحبُّ حين الحياة مطارَدَةٌ

والكلابُ تَشَمَّمُ أردانَنا

والعيون حديديةٌ تتفرّسُ، تأخذ من وجهنا

عيّناتٍ،

ولكنها رحلة الروح، حجٌّ إلى زمنٍ آخرٍ

والصراط المخيفُ يولول من تحت أقدامنا.

أنتِ كنتِ محجَّبةً بتُقىً خافتٍ

وظلالٍ من الشعْرِ ساكنةٍ

وأنا لا أرى غير لمْعٍ بعيدٍ

وعارٍ، كما الله، مصباح روحيَ في النوءِ

لا أحدٌ في الخرابْ

يعرف من يتلقّى إشاراته،

أي ريح ستطفؤهُ،

أيما حجرٍ…،

ومن الباب للنار والنار للباب، كان الجمالْ

قَلقِاً (قصةٌ صعبةٌ)

وأنا أعبر هذا الممرَّ المدجّجَ، لم أغفل المسأله

لأُصارحكِ الآن: يوجع قلبيَ هذا

العزوفُ عن “الله” للهِ..،

هل تفهمينْ؟

لا أُريد لناركِ تُطْفَأُ قتلاً بكلتا يديكِ، ألا تسمعين

صراخَ الطيورْ؟

الظلام كبيرٌ وليس سوى شعلةٍ

من بعيدٍ تُلوِّحُ مُنْقِذَةً

والغريق الوحيد يمد يداً من رداءات عالمهِ،

يستجيرْ

احلمي احلمي، ليس غير الحلُمْ

وسوى الباب والنار… تمضين تأتين

أسلمتِ روحَكِ للريح، أسلمتِ أجملَ كل الهدايا

وأبقيتِ للأرض هذا الجسدْ

يستريحُ على وجع.. ويحوّمُ فوق نعومتهِ

زمنٌ خشنٌ ووجوهٌ ملطخةٌ دَبَقاً وغثاءً..،

تكومتُ حزناً على وهجٍ ضاع كالماء

غيّبَ صيحتَهُ وانتهى

هو ذاك الخسارْ

وهو ذاك الطريق الذي أنا أخطأتُ فيهِ

وكررتهِ، خطأً!

هو شأنُ المحبة سيدتي، أعرف أعرف،

لكنها قصة قاسيه!

كم تمنيتُ أني أراكِ، وفي خلوة الروح،

حين الضياء يشعُّ ويسطع من مرفقيكِ

وحين تحطّ الرسوم وتأتمنين الحروف على

الوردة الباقية.

وَحََلٌَ حول وردتنا، إنما انبثقت

تتلألأُ من رغوةٍ للمهانة سوداءَ،

تبشّرُ في مقدم للبساتينِ

وان الطريق يغادر هذي المقابرَ…،

لكنني قلتُ:

إن الطريق إلى الله قد أغلقتهُ القمامةُ من زمنٍ،

قلتِ: إن الفنارات مابين أكواخنا

والفنارات بين الأكف التي تَعِِبَتْ والغضونْ!

وعجبتُ لهذي الطفولة صافيةً

ولهذا السلام المنيرْ.

لكِ أن أبدأ هذا الغناءَ بمجدكِ،

لكنني مُعوِزٌ للفرحْ

معوزٌ لعناقات أحرفُكِ العَطِشاتْ،

معوزٌ لابتسامتكِ المستظلةِ بالحذرِ الحلوِ،

يوقفها عاصفٌ أول الحقلِ، أولِ بدء الكلامْ .

هكذا الأمنيات تغادرُنا

هكذا تتعثرُ أقدامنا بالضياء

هكذا كنتُ أقرأ وجهكِ ثم أعودْ

أتأمّلُ هذي الحياة ورأسيَ ممتليٌْ بالرثاءْ.

متوحشةٌ وتهدّد وجهي تضاريسُ هذا النهارْ

وأنا قبل أن افتح الباب أودعتُ هذي الحقائقَ،

أودعتُ  آخر ما صنتهُ من وثائق روحي_

الكلابُ مدرّبةٌ

هي تقرأ أوجهَنا مثلما نقرأ نحنُ الجرائدَ،

هذي الحياة التي نحن نحيا!

أنا اعرفها مثلما اعرف ذاك المذاقَ النبيل َ

وراء عبارتكِ الموجزة ْ..

والجمال الحزين يمدّ شعاعاً ويقطع خيطَ

المرارة مابيننا

فنواصل في صمتنا الاعترافْ.

أنتِ تصغين لي شبهَ غاضبةٍ،

أو مُعاتِبَةٍ،

ربما أنتِ آسفةٌ أن نرى

كل هذي التعاسات في ليلنا

ونزينُ أشعارنا بشظايا النهارْ!

ذاك ما يدفع الليلَ عن شفتيّ ويوقدُ فيَّ

مصابيحَ شعري

وذلك يرسم أنكِ قرّبتِ روحي إليك ِ

وأنّا معا نُعْلنُ السخطَ

نوقد شعلتنا في الحياة!

حولنا الموتُ والأرض مسلوخة الجِلْدِ

ولا شيء في الريح إلا زعيق الرصاصاتِ

تمرق من فوقنا

وكأنك لا تسمعين الرداءة أو لا ترينَ

الوجوهَ الحقيرةَ معقوفةً نحو أبوابنا،

يُشرق وجهكِ مبتسماً

ويلامسُني ناعم الخفق صوتُكِ،

يكشف لي عن محبتِهِ

والحقولُ مدمرةٌ

والسواقي هياكل يابسةٌ تتشقق أكنافُها

وأرى الناس يسّللون خيوطَ دخانْ ..

وسْطَ هذا الدمارْ

والنوافذ مدفونةٌ في الشتاءِ ،

أُحسّ ربيعاً يلامس روحي ،

أُحسُّكِ ،

زنبقةَ الثلج ،

مدثَّرَةً بالبياضْ

وقصيدتُكِ الذهبيةُ

قابعةٌ بانتظارْ

ما استطعت ثناءً يليق بمجدكِ ،

أربكني زمنٌ مثقل بالحوادث تُعوِلُ حولي قطاراتُهُ.

ما تزال المسافة موحشةً بيننا

وأنا ألعق الكَدَمات التي خلَّفَ العمرُ ،

تلك التي ليس تشفى

وأشاغلُ روحي فارسم غصناً على ظهر زهريةٍ

ثم اسأل نفسي : متى يَُطلِعُ الغضُ وردتَهُ ؟

ومتى هي تندى ؟

قصة حبِّ محيّرةٌ هذه

لستُ اعلمُ، هل تعرفين نهايتَها؟

ليكن ما يكون

فأنا اخترتُ ما كلُّ منتبهٍ سوف يختارُهُ

هو ذاك الجمالُ البعيدُ الذي لا يُرى

في حديقتِكِ الساكنة ْ..

هو ذاك الذي انتظرَتْهُ حشودٌ من البشرِ،

افترقوا بعد أن تعبوا

وأنا واحد بعدهم ينتظر!

اسمع الآن هذا السؤال يقرعني البائع المتجوّل فيهِِ:

لماذا أراك هنا

والحديقةُ مغلقةٌ

والظلامُ دنا؟

ذاك ما يحزن الروح سيدتي:

الحديقة مغلقة

والظلام دنا …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: